من شرارة الفكر.. يشتعل نور الذات

صباح الصافي..
في داخل كلِّ إنسان مجرَّة من الإمكانات، لا يراها إلَّا من تجرأ على الغوص في أعماقه؛ فالعالم لا يتغيَّر حين تتبدَّل الأشياء، وإنَّما حين يتبدَّل الوعي؛ والإنسان لا يُصاغ من الظروف، إنَّما يصوغها حين يعرف نفسه، ويتصالح مع أعماقه، ويعيد تشكيل رؤيته للعالم، وكما لا تُزهر الشجرة إنْ لم تتشبث جذورها في عمق الأرض، لا يُثمر العقل ولا يزدهر القلب ما لم يطهّرهما الوعي من الشكِّ، ويحرّرهما من الركود.
من هنا، تنطلق هذه الوقفة التأمليَّة، لا بحثًا عن إجابات معلَّبة، بل عن وعي يقودنا إلى السُّؤال الجوهري: كيف نبني أنفسنا من الداخل ليولد مستقبلنا من صميم إرادتنا، لا من هوامش ما يُفرض علينا؟.
إنَّ بناء الإنسان من الداخل هو أساس كلِّ نهضة حقيقيَّة، فردًا كان أو مجتمعًا؛ فحين ينهض الوعي، تنهض الرؤيَّة، ويتحوَّل الإدراك إلى سلوك، والسلوك إلى مسار يقود إلى التغيير العميق والمستدام.
وفي هذا المقال، سنسير معًا في رحلة، نلامس فيها جذور الذَّات، ونكتشف مفاتيح النمو من الدَّاخل، وسنقف عند مجموعة من المحطَّات:
المحطة الأولى: إعادة بناء الأَفكار في داخل النفس
قد يواجهُ الإنسانُ في بعضِ الأحيان، أزمات عديدة عندما يسعى لتحقيق التَّغيير في حياتهِ وفي مجتمعهِ؛ لكن التَّغيير الحقيقي ينطلق من عُمقِ النَّفس؛ وليس من الخارج؛ وأوَّلُ خطوةٍ نحو أيِّ إصلاح تبدأ من إعادةِ بناءِ الأفكار في داخل النَّفس؛ لأنَّ الله (سبحانه) يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
إنَّ عمليةَ تغييرِ البيئةِ الدَّاخليةِ للنَّفسِ تشبهُ عمليةَ بناء قويَّة تتطلَّب الإرادةَ والتَّصميم؛ فكما أنَّ البناء يحتاجُ إلى أساس قوي وأدوات ملائمة، فإنَّ تغييرَ الأفكار والاتِّجاهات يحتاجُ إلى نفسِ الجهدِ والعزمِ؛ ولكن بمنظار آخر؛ فالإرادةُ القويَّةُ والتَّصميم على التَّغيير، هما العنصرانِ الأساسيانِ اللذانِ يمكِّنان الإنسانَ من تحقيقِ أهدافِهِ.
في مسعى التَّغيير الدَّاخلي قد يلاقي الإنسانُ صعوبةً في التَّخلص من بعضِ الأفكار القديمةِ التي قد تكون متجذرة في ذهنهِ؛ خاصَّةً عندما يتبنَّى الفرد رؤى ومعتقدات لا تتوافق مع تطلعاتهِ الحقيقيَّةِ أو التي تؤثِّر سلبًا على سلوكهِ، وهذه الأفكارُ قد تعيقُ التَّقدمَ وتحدُّ من إمكانياتِنا؛ لذا، فإنَّ التَّخلصَ من هذهِ الأفكارِ هو جزءٌ أساسي من عمليَّةِ إعادةِ بناءِ الذَّات، ويمكن تشبيه هذه العمليَّة بمعركة يخوضها الإنسان ضدَّ ذاته وضدَّ التّأثيرات المحيطةِ به، وفي هذه المعركة يكون لدى الفرد أدوات وأسلحة يمكن استخدامها لتحقيقِ النَّصر؛ لكن هذه الأدوات يجب استخدامها بفعَّالية لتحقيق التَّغيير المنشود؛ فالله (سبحانه وتعالى) كما ورد في النصوص الشَّريفة لا يستجيب لمن يمتلكُ الأدوات اللازمة للتغيير؛ لكنَّه لا يسعى لاستخدامها، وفي هذا المجالِ روي عن الإمامِ الصَّادق (عليه السلام)، أنَّه قال: “ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ جَلَسَ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ طَرِيقاً إِلَى الطَّلَبِ؟ وَرَجُلٌ لَهُ امْرَأَةُ سَوْءٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ خَلِّصْنِي مِنْهَا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَيْسَ قَدْ جَعَلْتُ أَمْرَهَا بِيَدِكَ؟، وَرَجُلٌ سَلَّمَ مَالَهُ إِلَى رَجُلٍ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِهِ فَجَحَدَهُ إِيَّاهُ فَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ أَمَرْتُ بِالْإِشْهَادِ فَلَمْ تَفْعَلْ)”.
إنَّ التَّغييرَ الذي نسعى إليه يجب أن يبدأَ من التَّفكير في الذَّات أوَّلًا، قبل أن ننتقلَ إلى تغييرِ البيئةِ المحيطةِ بنا؛ وبمجرَّد أن نتمكَّنَ من إعادةِ بناءِ أفكارِنا وتغييرِ نظرتِنا الدَّاخلية، سنجدُ أنَّ التَّغييرَ في الخارجِ يصبحُ أسهلَ وأكثرَ تحقيقًا.
المحطة الثانية: انتقـــاء الأَفكار
انتقاءُ الأفكار المثمرة مهارة أساسيَّة للنَّجاح والتَّفوق في الحياة، والمقصود بانتقاء الأفكار المثمرة: التَّمكن من تحديدِ الأفكارِ التي يمكن أن تحققَ إصلاحات حقيقيَّة في الحياة الشَّخصيَّةِ أو المهنيَّةِ أو المجتمعيَّة، وهنا لا بدَّ من التَّنبيه أنَّه ليست كلُّ فكرةٍ تستحقُ المتابعةَ أو التَّنفيذَ؛ وإنَّما هناك أفكار تحملُ في جوهرِها التَّغيير، والابتكارَ، وتحويلَ الرُّؤيةِ إلى واقع ملموس.
إنَّ عمليَّةَ انتقاءِ الأفكار تبدأُ بجمعِ أكبر عددٍ ممكن من الأفكارِ من مصادر متنوّعة، ويمكن أن تأتيَ هذه الأفكار من الكتب، والمقالات، والمحاضرات، والنِّقاشات، أو حتَّى من التَّأمُّلِ الشَّخصي، وهذا التَّنوعُ في المصادر يضمن أن تكونَ لديك رؤية شاملة للمشكلةِ أو الموضوعِ الذي تبحث فيه؛ ولكنَّ جمع الأفكار وحدهُ لا يكفي؛ ولا بدَّ من توفير نظام صارم لتقييمِها، وأن نسألَ أنفسَنا.
وبعدَ تحديد الأفكار التي تبدو واعدةً، يجب أن نخضعَها لاختبارات عمليَّة، ويمكن أن يكونَ ذلكَ عبر تجربتِها على نطاقٍ صغير، أو عن طريق إعداد نموذج أوَّلي، أو حتَّى عبر البحث والتَّحليل المكثَّف، وهذهِ المرحلةُ تتيحُ لنا معرفةَ ما إذا كانت الفكرةُ قابلةً للتنفيذ كما هي، أم أنَّها بحاجةٍ إلى تعديل، وغالبًا ما تظهر هنا بعضُ العقبات التي لم تكنْ واضحةً في البدايةِ، وهو ما يجعل هذه المرحلة حاسمة في عمليةِ الانتقاء، وإذا اجتازت الفكرةُ مرحلةَ الاختبار بنجاح، يكون الوقتُ قد حان لتنفيذِها، والتَّنفيذ هو بداية مرحلة جديدة تتطلَّبُ إدارة دقيقة ومتابعة مستمرَّة.
ثمَّ بعد ذلكَ تأتي خطوةُ التَّأكد من أنَّ الفكرةَ تحققُ الأهدافَ المرجوة منها، وأنَّها تسيرُ وفق الخطةِ الموضوعة، وإذا ما ظهرت مشكلات أو صعوبات، يجب أن نكونَ مستعدينَ لتعديلِ الخطة أو حتَّى إعادة النَّظر في الفكرةِ برمتها.
يضافُ إلى ذلك، أنَّ انتقاءَ الأفكار المثمرةِ يتطلَّبُ منَّا كذلك مواجهة عددٍ من المخاطر؛ ففي عصر الإنترنت ووسائلِ التَّواصل الاجتماعي، نجد أنفسَنا غارقينَ في كمٍ هائلٍ من المعلومات التي تجعل من الصَّعب التَّركيز على الأفكار التي تستحقُ فعلًا المتابعة؛ لذا، فإنَّ إدارةَ الوقت بفعَّالية، وتحديدَ الأولويات يعدَّان من الأمور الأساسيَّة للتغلبِ على هذا التَّشتت.



