وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) للنجاة من عواصف الفتن

نستفيد من كلام الإمام علي (عليه السلام)، أن البصيرة هي سبيل للنجاة من الفتنة، وتفسيرها على ضوء كلامه “عليه السلام”: “وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لقد كانوا يُصلّون ويصومون، وهذا معنى الفتنة، بل هذا مصداقٌ بارزٌ من مصاديقها”.
ولو أنّا وضعنا أنفسنا في موضع أصحاب النبيّ “صلى الله عليه وآله وسلم” وفي تلك الشروط والظروف… حيث كانوا عظماءً وكباراً ونحن نعدّهم كباراً كما نعدّ أهل البيت “عليهم السلام” كذلك كباراً.. سلمان، المقداد، أبو ذر، عمّار، ولكن بعض الصحابة، رغم قداسته تلك، جاء ليحارب الإمام عليّاً “عليه السلام”، هذه هي الفتنة.
“وَلَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ”.
فما هي هذه البصيرة؟!
ينبغي على حملة راية الدِّين، أن يلتزموا بتلك البصيرة الّتي تحدّث عنها الإمام “عليه السلام”.
وقد فسَّر الإمام “عليه السلام” ذلك في جملة موارد من نهج البلاغة، حيث كان يتحدّث عن بصيرته هو “عليه السلام”، قال: “وَإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي وَلَا لُبِّسَ عَلَيَّ”.
وهو الّذي يقول حول مواجهته لأصحاب الجمل والناكثين: “أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ”.
وأوضح من هذا ما ورد في الكتاب وفيه يتحدّث أمير المؤمنين “عليه السلام” عن الطرفين: ومن كتاب له “عليه السلام” إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولّاه إمارتها.. وقد جاء في البند الثامن منها: “وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينٍ مِنْ رَبِّي، هذه هي البصيرة، وفي هذا البيان نلاحظ، إثبات البصيرة لنفسه وإثبات الضلال لجبهة الخصوم.
هذه البصيرة الّتي يتحدّث عنها أمير المؤمنين “عليه السلام” ينبغي أن تتوفّر لدى حملة راية الدِّين، وإنّ السبيل للنجاة من الفتنة والخروج منها هو هذه البصيرة، وفي الخطّ الأوّل ينبغي أن يكون حملة الراية من أهل هذه البصيرة، فإذا لم يتزيّنوا بها، فإنّ ذلك هو الفاجعة العظمى.
إنّ مسؤوليّة الحروب الثلاثة بوجه أمير المؤمنين “عليه السلام” تقع على عاتق الخواصّ، سواء الّذين شاركوا في الحرب أم الّذين سكنوا.. “إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي: هو أن يعلم الناس موضع الحقّ وموقعه وسيّما حملة راية الدِّين فينبغي أن يتحلّوا بالصبر ويعرفوا موقع الحقّ”.
والصبر له صور عديدة، فقد يتمثّل في الصبر على الحرب والآلام والسجن والتعذيب والنفي، وقد يتمثّل في تحمُّل الشتائم والسباب والاتهامات والاحتقار والافتراء، وجميع ذلك يكون لأجل إخراج الصالحين من ساحة المواجهة مع الكفر والنفاق والفساد.
ولكن بفضل الله، إنّ الصالحين المجاهدين يعرفون أنّ طريق الجهاد والرسالة ليس مفروشاً بالورود بل هو طريق ذات الشوكة، فيه الكثير من الابتلاءات والفتن، فالذهب لا يلمع إلا في لهيب النار.



