اخر الأخباراوراق المراقب

تأملات عقلية حول وجود الخالق سبحانه وتعالى

صباح الصافي..

من خلق الكون؟

ظلَّ هذا السؤال العميق يطرق وجدان الإنسان منذ فجر وعيه بذاته، حين رفع بصره إلى السَّماء متسائلًا، وتأمَّل في صمت ذلك النِّظام البديع الذي ينسج تفاصيل الكون حوله بخيوط من الدقَّة والاتِّساق.

إنَّه سؤال يتجاوز حدود الأعمار والمراحل، غير أنَّ الشَّباب –بما يحملونه من يقظة فكريَّة، ونزوع فطري إلى التفكُّر، وجرأة في مساءلة المألوف– كثيرًا ما يقفون أمام مفترق حاسم:

هل نحن وُجدنا لغاية، وخُلقنا بقصد، ويحكم وجودنا إلهٌ عليم خبير كما يعتقد أهل الإيمان؟

أم أنَّ فكرة الإله ليست سوى انعكاس لمخاوف الإنسان الأولى، حين واجه الرَّعد والبرق والموت فهرب إلى السَّماء طالبًا الطَّمأنينة، فخلق في ذهنه صورة “الخالق” ليُسكت بها رعبه من المجهول؟

لكنَّ العقل الحر، إذا تحرر من أَسر العادات وسطحيَّة التصورات، لا يكتفي باجترار الموروث ولا بردود الفعل الوجوديَّة المنفعلة؛ بل يشق طريقه إلى لُبِّ المسألة، متسائلًا:

هل من المعقول أن يقوم هذا الكون الفسيح، بهذا الانسجام الباهر، من دون قصد سابق؟

هل يمكن أن ينبثق العقل والوعي والإرادة من مادة صمَّاء لا تعقل ولا تريد؟

أليس من البداهة أنَّ النظام يدلُّ على ناظم، وأنَّ الحياة –في تعقيدها وجمالها– تنطق بوجود من أودع فيها هذه الروح؟

هنا، لا يعود السؤال مجرَّد جدل نظري؛ وإنَّما يتحوَّل إلى نداء داخلي يهمس في ضمير الإنسان:

من أين جئت؟

 ولماذا وُجدت؟

 وإلى أين المصير؟

وما دمتُ قادرًا على طرح هذه الأسئلة، أليس ذلك في حدِّ ذاته علامة على أنَّك مخلوق لمعنى، لا عبث؟

إنَّ الجواب، من حيث المبدأ العقلي والفطرة السليمة هو أقرب إلى البساطة العميقة، التي تُطمئن القلب، وتلامس موطن اليقين في النَّفس، وليس بذلك الغموض أو التَّعقيد الذي يتصوره كثيرون. غير أنَّ هذا الجواب كثيرًا ما يُحجب عن القلوب والعقول، ويُلبس ثوب التَّعقيد، من جهتينِ متقابلتينِ:

من جهة بعض المؤمنين الذين يظنون أنَّ الدِّفاع عن الإيمان لا يكتمل إلَّا بالخوض في دهاليز الفلسفة وتعقيدات الجدل، فيغرقون في تفريعات المنطق وتراكم المصطلحات، حتَّى تُنسى بداهة الحقِّ، ويضيع نوره وسط الزِّينة اللفظيَّة. ويغفلون عن أنَّ الحقيقة الصافية لا تحتاج سوى لمن ينفض عنها غبار الغفلة؛ فالنور لا يُزخرف ليُرى؛ ولكن يحتاج إلى عين صادقة تُبصره، وقلب حيٍّ يستقبله.

ومن جهة بعض المَلاحدة الذين يتوسَّلون بالمغالطات المنطقيَّة، أو يُثيرون الشبهات العاطفيَّة واللغويَّة، ليُضفوا على إنكارهم طابعًا عقلانيًا، وهم في الحقيقة لا ينقضون برهانًا بقدر ما يلتفون حوله، ولا يواجهون الحجَّة بقدر ما يهربون من ضوئها، خشية الاعتراف بما يدلُّ عليه العقل والفطرة: أنَّ لهذا الوجود خالقًا، وأنَّ لهذا النظام منظِّمًا، وأنَّ للحياة معنى يتجاوز العمى المادِّي.

ومع ذلك، فإنَّ الحقيقة لا تُهزم بزخرف القول، ولا تُطمس بزينة البيان، ولا يخدش صفاءها الجدلُ مهما عَلا صوته؛ فهي متينة في ذاتها، مغروسة في أصل فطرة الإنسان، تستند إلى بداهات العقل كما تستند الشجرة إلى جذرها، لا تهزُّها الرياح وإن اشتدت، ولا تُغيِّبها العواصف وإن علت.

إنَّ من أبجديات العقل السليم أن يُقرَّ بأنَّ كلَّ حادث لا بدَّ له من مُحدث، وأنَّ كلَّ نظام متقن لا بدَّ أن يقف خلفه منظِّم حكيم. وهذه بديهيات لا يماري فيها عاقل، مهما بلغ من الذَّكاء أو أحاطته النظريات. حتَّى أولئك الذين يتكئون على مفاهيم كالتطور أو الصدفة لا يسعهم إنكار أنَّ وجود “قوانين” دقيقة تحكم حركة الكون، وتضبط سير النجوم، وتنسِّق علاقات الطبيعة، ويفترض – بالضرورة – وجود مشرّع لهذه القوانين، ومرجع أعلى سنَّها وضبطها بهذا الإحكام البديع.

ولو التفتنا إلى أنفسنا، لوجدنا أنَّ داخل الإنسان ما هو أعجب من عجائب الكون الخارجي. وأنَّ في أعماق النفس توقٌ دائم نحو الجمال، وحنينٌ خفي إلى العدالة، واستشعارٌ للخير والشر لا يُكتسب من التجربة وحدها، وكأنَّه مغروس في كياننا منذ فجر الوعي.

 فمن أين جاء هذا الضمير الذي يوقظنا حين نخطئ، ويبعث فينا الطمأنينة حين نُحسن؟

 من أين جاء هذا الإحساس الدَّاخلي بأنَّ للحياة معنى، وأن للمواقف قيمة، وأن للأفعال وزنًا يتجاوز المنفعة أو الضرر؟

أليس هذا التوجه الفطري نحو السمو دليلًا على أنَّ الإنسان لم يُخلق ليكون مجرَّد كائن مادي خاضع لقوانين الفيزياء والكيمياء فقط، وإنَّه يحمل في داخله شعلة من نور، تدلُّه على وجودٍ أعلى، وغاية أسمى، ومصدرٍ للخير يتجاوز حدود العالم المحسوس؟

إنَّ العقل الصادق مع ذاته، والفطرة النقيَّة إذا أُتيح لها أن تتكلَّم، لا تملك إلَّا أن تشير نحو خالق عليم، حكيم، رحيم، هو أصل الوجود، ومصدر القيم، ومنبع هذا التوق الإنساني إلى ما هو أسمى من المادة.

إنَّ وجود الله (تعالى)، إذًا، هو الحقيقة الأعظم، والتفسير الأوفى لسرِّ الوجود، ولغز النظام؛ هو الجواب الذي تتقاطع عنده إشارات العقل، وهمسات القلب، وفطرة الإنسان السليمة التي لم تعتلّها شوائب الغفلة ولا ضجيج الفلسفات العابرة.

هو أقرب إلى البداهة من كلِّ الطروحات التي تزعم تفسير الكون من دون خالق، والتي تحاول عبثًا أن تُخرج النظام من قلب الفوضى، والغاية من قلب العدم، والعقل من غير قصد، وكأنَّها تطلب الماء من السَّراب، أو تبني فوق الوهم جسرًا للنجاة.

سل فطرتك يا من تنكر الخالق العظيم قبل أن تستعرض الفرضيات، وانظر بعين العقل لا بهوى التكرار: هل رأيت بناءً شامخًا قام بغير مُخطط، أو آلةً دقيقة دارت بغير مبدع؟

 من ذا الذي يصدِّق أنَّ الحجارة تصطفُّ وحدها، وتُحكم زواياها، وتُقام الجدران وتُوضع الأبواب، ثم يُقال: هذا محض مصادفة!

خذ مثالًا أيسر: هذه الساعة التي تضعها في معصمك، أيمكن أن تُخلق من غير صانع؟

 قلمك، هاتفك، مفتاحك… أيمكن أن تُوجد بلا يدٍ عاقلة تُصمِّمها، وتعرف وظيفتها، وتُحسن مواضع أجزائها؟

فكيف إذا ارتفعت ببصرك إلى ما فوقك؟

 إلى هذا الكون الواسع الذي تجري أفلاكه في مسارات لا تختلّ، وتدور كواكبه في توافق عجيب، وتتعاقب فيه الفصول وتتناغم فيه الدورات؟

 كيف بالشَّمس التي تبعث الدفء والنور، والقمر الذي يُهدي السُّرى، والنجوم التي تُرصِّع السماء وتُعين على الاتجاه؟

 كيف بالسحب التي تحمل الماء، والرياح التي تُسيِّرها، والجبال التي تُرسّي الأرض، والماء الذي يسقي النبات، والنبات الذي يُطعِم الحيوان؟

وكيف بالإنسان ذاته، وهو أعجب الموجودات؟ عقلٌ يُفكّر، وضميرٌ يُحاسب، وقلبٌ يشعر، روحٌ تتطلَّع إلى ما وراء المادة، وتسأل عن الأصل والمصير.

أفيكون كلُّ ذلك صدفة؟

 وهل الصدفة تُبدع الإتقان؟

 وهل العدم يُنشئ المعنى؟!

إنَّ القول بوجود خالق حكيم هو قناعة يولدها العقلُ الحرُّ، وتغذِّيها الفطرة النقية، وتُثبّتها شواهد الوجود في كلِّ ذرة وكلِّ حركة وكلِّ قانون؛ إنِّه الإيمان الذي يشرح الصدر، ويهدي السعي، ويمنح الحياة معناها الذي تتعطَّش إليه الأرواح.

كلُّ ذرة في هذا الكون تنطق بلغة لا تخطئها الفطرة، وتشير بإصرار إلى حقيقة جليَّة: إنَّ هناك نظامًا محكمًا، وأن وراء هذا النظام خالقًا أعظم، وإرادة لا يعتريها العبث ولا يعصف بها الصدفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى