اراء

الصاروخ اليمني أصدق إنباءً من قمم العرب

بقلم: أمين بوشعيب..

في كل مرة يُعلن فيها عن انعقاد قمة عربية جديدة، تعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة، ما الجديد الذي ستقدمه هذه القمة؟ هل تكون كسابقاتها مجرّد بلاغات ختامية بلا قرارات عملية؟ وهل مازال المواطن العربي يراهن فعلاً على هذه الاجتماعات؟ وهل من أمل في تفعيل فعلي لمخرجات القمة؟ وأين يقف الحكام العرب من القضية الفلسطينية؟.

عندما كان ملوك وأمراء ورؤساء عرب يُلقون خطبهم المحفوظة مسبقًا في بغداد، كان صوت “الزنانة” الصهيونية في سماء غزة، يعلو فوق كل الأصوات، وتقوم بمهمات التصوير والتعقب في تنفيذ عمليات استهداف الأطفال والنساء وتدمير المنازل والبنايات فوق رؤوسهم، وإحراق الخيام بمن فيها.

هل كانت إسرائيل تعلم، أن هناك قمة عربية في بغداد يحضرها شخصيا بعض القادة والزعماء العرب؟ وهل تعلم أيضا أن القمة كان لها ضيوف شرف على رأسهم الأمناء العامون لمنظمة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، إلى جانب عشرات الضيوف من الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والمنظمات الدولية؟.

لقد كان من المفترض على إسرائيل -إن لم ترتعب من القمة- أن تقوم بتوقيف ضرباتها الجوية على الأقل في تلك الساعة التي كان أصحاب الفخامة والضخامة يلقون كلماتهم، حفاظاً على ماء وجوههم، لكنها لم تفعل إمعاناً في احتقارهم وإذلالهم.

إسرائيل تعلم شيئاً واحداً وهو أن قمة بغداد الرابعة والثلاثين ستكون كسابقاتها، وستخلص إلى صفر كالمعتاد، وأنها لن تتجاوز الحبر الذي كتب به بيانها الختامي. لذلك، ليس عبثا أن يصدر الجيش الإسرائيلي بدء عمليته البرية الموسعة في قطاع غزة، التي أطلق عليها اسم “عربات جدعون”، وذلك في نفس اليوم الذي تلتئم فيه تلك القمة، حيث كثف من عمليات القصف لمناطق واسعة من قطاع غزة، في أفق احتلال كامل للقطاع. على وفق ما أفادت به هيأة البث العبرية الرسمية، التي أضافت أن العملية من المرجح أن تستمر لأشهر عدة، تتضمن “الإخلاء الشامل لسكان غزة بالكامل من مناطق القتال، بما في ذلك شمال غزة، إلى مناطق في جنوب القطاع حيث سيبقى الجيش في أية منطقة يحتلها”.

سألني صديق غاضب، وقد امتلأ قلبه قهرًا: ما فائدة هذه القمة إن لم تُحدث فرقًا في لحظة كارثية كهذه؟ كيف يستقيم أن تُعقد قمة عربية بينما يُباد الفلسطينيون في غزة؟ ثم تابع بمرارة لاذعة: “والله إن صاروخًا واحدًا أطلقه أنصار الله في اليمن، لهو أشد وقعًا على إسرائيل من مئات القمم العربية”.

صديقي لم يكن مُخطئًا. فصاروخ واحد أطلق من صنعاء أرعب إسرائيل بما يكفي لتعليق الرحلات، وفرار الملايين إلى الملاجئ، وكبد الدولة خسائر فادحة، وأوقف شركات طيران دولية عن تسيير رحلاتها إلى إسرائيل.

هي ضربة صغيرة بحجمها، هائلة في أثرها، كشفت هشاشة القبة الحديدية التي طالما تغنّى بها الاحتلال، وأثبتت أن الردع لا يكون بالكلام بل بالفعل، لا بالشجب بل بالمواجهة. ولعل أكبر مفارقة في هذا المشهد، أن قمة عربية بكل رموزها وزخمها لم تُحدث أدنى تأثير، بينما جماعة في أقصى اليمن البعيد فرضت معادلة جديدة في البحر الأحمر، وأربكت حسابات العدو الصهيوني.

لكن المفارقات لا تنتهي هنا، ففي مقابل صمت القمم، ثمة أصوات في كل بقاع العالم خلال هذه الأيام، تطالب بإنقاذ غزة في تحول لافت في مواقف الدول الغربية والعالمية الرافضة للإبادة والتجويع في قطاع غزة. حيث تتسع رقعة التأييد للحق الفلسطيني، وتعلو الأصوات الدولية المنددة بجرائم الاحتلال في غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، وتهدد بفرض عقوبات عليه، ثم انظر إلى حال الحكام العرب، ففي الوقت الذي تُقصف فيه غزة ليل نهار، وتُنتشل جثث الأطفال من تحت الركام، وتُحاصر المستشفيات وتُستهدف المدارس والمخيمات، يغيب صوت هؤلاء الحكام كما لو أن شيئاً لا يحدث، صمت أقرب إلى صمت القبور، لا يشبهه إلا صمت الضحايا تحت الأنقاض.

ولكن.. لا شيء يُجسّد الهوان العربي أكثر من مشهد استقبال بعض القادة الخليجيين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالورود والسجاد الأحمر والبنفسجي، وهو الرئيس الأمريكي الأكثر صراحة في انحيازه الأعمى لإسرائيل، وهو الذي كان نقل سفارة بلاده إلى القدس، واعترف بها “عاصمةً موحدة لإسرائيل”، وضغط على دول عربية لتطبيع العلاقات، وجفّف تمويل “الأونروا”، في وقت كانت فيه قنابل أمريكية الصنع تُدفن تحت ركامها عائلات فلسطينية بأكملها. ومع كل هذا، تُهدى له الهدايا، والصفقات بمليارات الدولارات، وكان الأجدى أن يمنع من تدنيس أراضيهم، لكنه قوبل بالتبجيل والترحيب منقطعيْ النظير. وكأن من يقتل أبناء فلسطين يستحق التصفيق، ما دام يوقّع صكوك الحماية، فأية مفارقة هذه؟  بل كيف يحتفي الحكّام العرب برئيس زوّد الاحتلال بأدوات القتل والدمار الشامل، وبارك استباحة الدم الفلسطيني؟.

والخلاصة، إن من يصافح اليد التي تقتل أهلنا في غزة، شريك في الجريمة، وإن دماءهم الطاهرة التي سالت تحت نيران الأسلحة الأمريكية، لا ولن تنساها الشعوب العربية، ولو أنكرها القادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى