اخر الأخبارثقافية

“طعم الفراق”.. بناء الذاكرة الفلسطينية كسردية مضادة لرواية المحتل

تحتل فلسطين الواقعية والأسطورية، المجبولة بالدم والغربة، قلب المشهد وخلفيته في النص المؤثر “طعم الفراق: ثلاثة أجيال فلسطينية في الذاكرة”، للكاتب الفلسطيني ربعي المدهون، والذي صدر مؤخراً في طبعة جديدة عن دار “كيان”. يُعدّ هذا العمل وثيقةً للأجيال القادمة، لا سيما في ظل حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في عزّة خصوصاً وفلسطين كلّها بشكل عام، حيث كُتبت برؤية فنية تدمج بين عدة أنواع أدبية، يتظافر فيها القصّ والسيرة الذاتية والرواية في متنٍ سردي واحد.

ويتشعّب السرد ليشمل أزمنةً وحكاياتٍ وشخصياتٍ عبر ذاكرة الوجع الممتدة منذ نكبة عام 1948، مروراً بذكريات الطفولة البريئة وحلم العودة إلى مجدل عسقلان، وصولاً إلى بلدان اللجوء التي عاش فيها الكاتب، وتنقّل على أراضيها منفياً تارة، ومقاتلاً تارة أخرى.

ويُعيد المدهون بناء الذاكرة الفلسطينية كسردية مضادة لرواية المحتل، بدءاً من أحداث النكبة، ليس كحدثٍ تأريخي مجرّد، بل كتجربةٍ مصيريةٍ مأساويةٍ حفرت جراحاً عميقة في حياة أجيال من الفلسطينيين. يقول: “أخذت أجراس النكبة تدق الأبواب، لكنها لم تصل إلى أبواب المجدل أو القرى الجنوبية إلا حين بدأت بريطانيا تقليص وجودها العسكري والمدني في البلاد… وصلت أولى دقّات النكبة باب بيتنا منذرةً بعواصف لم يعرفها مناخ البلاد”.

ينكأ الفصل الثاني “باب النكبة” جراح ذكريات تلك المرحلة، بما في ذلك وصول الجيوش العربية التي عُرفت بـ”جيوش الإنقاذ”، ثم الهزيمة الساحقة بعد عدة أشهر. يبني الكاتب سرده على تقطيعٍ زمني ينتقل فيه بسلاسة عبر تيار الوعي بين أحداثٍ تبدو ظاهريًا غير مترابطة، إلا أنها تتصل بخيط الذاكرة المتين.

ويحكي عن الضابط الذي عذّبه في دمشق، ثم ينتقل إلى ذكرياته مع الطبيبة الروسية “ناديجدا” التي عالجته ونصحته بالإقلاع عن التدخين، ثم تمرّ الأيام وتتغيّر الحيوات، فيختار من الوقائع ما يستحق السرد. يستمع إلى ذكريات أمه عن تلك الأيام، ويتحدث عن عمله في أسبوعية “الحرية” في بيروت، معترفاً بحسرة أن “كل المهام العاجلة والمصيرية التي ظننتُ أن عليّ القيام بها لتحرير فلسطين، اكتشفتُ لاحقاً أنها ذهبت أدراج الرياح”.

ويتخذ السرد أسلوب المراوحة بين الماضي والحاضر، وهي تقنية ذكية تخفف من قتامة الحزن المستمر في نصٍّ محوره نكبة فلسطين وتداعياتها عبر ثلاثة أجيال؛ عايش الأول النكبة مباشرة، بينما جاء الثاني ليوثّق ذاكرة الوجع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى