اراء

إيران في قلب المفاوضات.. وحدة وثبات نووي وسط ضغوط أمريكية

بقلم: نجاح محمد علي..

تشهد المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة سلطنة عُمان، زخمًا متجددًا بهدف إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة) والتوصل إلى اتفاق جديد.

تتبنى إيران نهجًا دبلوماسيًا مدروسًا، يعكس التزامها الكامل بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) وروح الاتفاق النووي، مع الإصرار على حقها المشروع في برنامج نووي سلمي.

وفي ظل وحدة داخلية قوية خلف فريق التفاوض بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، تؤكد طهران، أن نجاح المفاوضات يتوقف على تخلي واشنطن عن مطالبها “غير الواقعية”، مما يضع الكرة في الملعب الأمريكي.

وكدولة موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، تلتزم إيران بإجراءات الرقابة التي تفرضها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم التحديات الناجمة عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018 وفرض عقوبات أحادية.

وإذ تؤكد طهران، أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية، مثل توليد الطاقة والبحث العلمي، وتنفي أي طموحات عسكرية. في هذا السياق، فهي تؤكد أن المنشآت النووية الإيرانية تتوافق مع معايير السلامة العالمية المعتمدة بعد كارثة تشيرنوبيل، على حد قول رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، مشيرا إلى أن أي هجوم على هذه المنشآت سيؤثر على العالم بأسره، كما رفض إسلامي اقتراح نقل مخزون اليورانيوم المخصب خارج إيران، معتبرًا أن هذه المخزونات يجب أن تظل تحت إشراف الوكالة الدولية داخل البلاد كضمانة ضد أي خرق أمريكي مستقبلي.

تتمتع المفاوضات الحالية بدعم شامل من كل مؤسسات النظام، بما في ذلك تأييد القائد الأعلى آية الله السيد علي الخامنئي والحرس الثوري.

وبينما ترفض بشدة ما يسميه أعداؤها اعتمادها على “وكلاء” في المنطقة، تؤكد طهران أن لديها حلفاء استراتيجيين في اليمن (أنصار الله)، والعراق (فصائل المقاومة)، ولبنان (حزب الله)، وفلسطين (حركات المقاومة). هؤلاء الحلفاء يشكلون جزءًا من محور المقاومة الذي يهدف إلى مواجهة الهيمنة الغربية والصهيونية. كما ترفض طهران ربط هذه العلاقات بمفاوضاتها النووية، معتبرة أن أي مطالب أمريكية في هذا الشأن “غير واقعية”، كما صرّح عراقجي في بكين، حيث أكد أن التوصل إلى اتفاق جيد يتطلب من واشنطن التخلي عن مثل هذه المطالب.

دور عُمان والصين وروسيا

عُمان.. تؤدي سلطنة عُمان دورًا محوريًا كوسيط محايد، حيث استضافت جولات المفاوضات السابقة واقترحت تأجيل الجولة الفنية إلى السبت المقبل، كما أعلن إسماعيل بقائي، مما يعكس مرونتها في تسهيل الحوار. كما ناقش السلطان هيثم بن طارق البرنامج النووي الإيراني مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في موسكو، وهو أمر كان متوقعا في ضوء مسعى من السلطان هيثم لتوفير ضمانات النجاح للجولة الثالثة من المفاوضات التي ستُجرى السبت في مسقط، مما يبرز دور عُمان كمنصة للتنسيق الدولي.

الصين.. تُعد الصين شريكًا استراتيجيًا رئيسًا لإيران، حيث أكدت وكالة “إرنا” أن بكين ستكون شريكًا اقتصاديًا محوريًا بعد رفع العقوبات، وأشارت الوكالة إلى أن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، المدعومة بحسن نية طهران، ستعزز التنمية في إيران وتدعم مسارها السلمي.

روسيا.. تشارك روسيا كشريك استراتيجي آخر، حيث أكد عراقجي ضرورة إطلاع موسكو على مجريات المفاوضات، زيارته إلى روسيا الأسبوع الماضي، ولقاء بوتين مع سلطان عُمان، يعكسان التنسيق المستمر، كما أعلن يوري أوشاكوف، مستشار بوتين، أن ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب، سيزور موسكو قبل الجولة القادمة، مما يشير إلى دور روسيا في التشاور حول المفاوضات، ورغم تحفظ بعض الإيرانيين على فعالية دور روسيا، فإن إيران ترى في موسكو حليفًا داعمًا لمواقفها. وفي هذا الواقع يأتي رفض الكرملين، عن الرد على سؤال عما إذا كانت روسيا مستعدة لاستقبال مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب في إطار اتفاق نووي محتمل مع الولايات المتحدة.

الكرة في الملعب الأمريكي

من هنا، تؤكد إيران، أن نجاح المفاوضات يعتمد على تخلي الولايات المتحدة عن مطالبها “غير الواقعية”، مثل إزالة أجهزة الطرد المركزي المتقدمة أو نقل اليورانيوم المخصب خارج البلاد. وكما صرح عراقجي، فإن نهجًا بناءً من واشنطن سيؤدي إلى “اتفاق جيد”، معبرًا عن تفاؤل حذر. في المقابل، أدان بقاء العقوبات الأمريكية الجديدة على قطاع النفط والطاقة، واصفًا إياها بـ”التنمرية” و”المناقضة لروح التفاوض”، مما يعكس افتقار واشنطن للجدية.

وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة قد تعارض اقتراح إيران بإشراف روسيا والصين على مفاعلاتها النووية، مما يعقد المحادثات الفنية المقررة بينهما، والتي ستشمل فرقًا من وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكية.

أخيراً تُظهر إيران، من خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، التزامًا دبلوماسيًا واضحًا، مدعومًا بوحدة داخلية وحلفاء استراتيجيين في اليمن والعراق ولبنان وفلسطين. مع الدور المحوري لعُمان كوسيط، والدعم الاقتصادي والدبلوماسي من الصين وروسيا، تسعى طهران إلى تعزيز موقعها التفاوضي مع الحفاظ على حقوقها النووية. الكرة الآن في ملعب واشنطن، التي يتعين عليها إظهار الجدية والابتعاد عن السياسات العدائية لضمان نجاح هذه المفاوضات، التي تحمل فرصة لخفض التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى