قرار الرسوم الجمركية يهدد عرش أمريكا المالي

بقلم: سارة عليان..
وضعت رسوم ترامب الجمركية العالم على حافة الزلزال الاقتصادي، معالم حرب نووية اقتصادية بدأت بالظهور على نحو غير مسبوق، كل طرف فيها يسابق الوقت في محاولة لمنع التصادم الاقتصادي المتوقّع، وخشيةً عواقب لا يُحمد عقباها.
زفّ الرئيس الأمريكي قرار الرسوم الجمركية للعالم ظنًّا منه أنه وضع الاقتصاد الأمريكي بذلك على سكة الخلاص والنهوض، إلا أنّ المؤشرات التي باتت تتراكم أمام أعين العالم والمحلّلين الاقتصاديين، لا يبدو أنها تحت انفراجاتٍ في طياتها.
أولى المؤشرات وأسرعها تحوّلًا كانت على الصعيد المالي، حيث دوّت قنبلة الرسوم الجمركية في مسرح البورصات والأسواق المالية العالمية ليترتّب عنها تداعيات كارثية، كان السوق المالي الأمريكي، بأهم شركاته، أبرز المتضررين منها.
الخبير والباحث الاقتصادي والمالي الدكتور حسن مقلّد أوضح في هذا السياق أن الاجراءات التي اتخذها الرئيس الأمريكي كانت في أساسها عبارة عن ردة فعل على واقع، شخّصه الرئيس المنتخب في برنامجه الانتخابي، على أنه واقع مالي واقتصادي صعب جدًا، حيث وتيرة تنامي العجز ونسبة الدَّين من الناتج المحلي، هي أعلى من أي معيار ممكن، يضاف لذلك أن اقتصاديين كثرًا تحدثوا وفقًا للمؤشرات الاقتصادية والمالية، عن أن نهاية العام 2025 قد تكون انهيارا ماليا شبيها بما حدث عام 2008.
العملة الخضراء لم تعد “آمنة“
أبرز الانعكاسات كانت على صعيد الدولار، حيث يشير الدكتور مقلّد في هذا الإطار، إلى أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس ترامب تصب أولًا في محاولة منه لتوزيع الخسائر المحتملة على أكبر عدد ممكن من البلدان، وثانيًا في السعي لتأجيل هذه الأزمة وتفادي حصولها، وهذا الأمر يُعد بالطبع في غاية الصعوبة، وفي ظل هذا الواقع المضطرب، فمن الطبيعي أن تكون مكانة الدولار العالمية “مهزوزة“.
وفقًا للخبير الاقتصادي، في النظام المالي والتجاري العالمي، يعدّ الدولار مرجعية تسعير لمعظم عمليات التبادل التجارية العالمية، وتتحكم الولايات المتحدة الأمريكية بنظام سويفت (Swift) وهو نظام تواصل مالي عالمي يُستخدم لتبادل المعلومات المالية بين المؤسسات المالية والبنوك في جميع أنحاء العالم. إن أي تعديل لهذين البندين أو تغير فيهما نتيجة القرارات المتخذة، سيؤدي حتمًا إلى انخفاض قيمة الدولار، لأن هذا الأخير لم يعد اليوم يمتلك القوة الاقتصادية ولا حتى القوة العسكرية التي كان يمتلكها سابقًا، في حقبة انهيار الاتحاد السوفياتي لحين دخوله إلى العراق.
في السياق عينه، أن هذه الرسوم والحرب التجارية القائمة، تدفع الكثير من الدول للتخلي عن مرجعية التسعير بالدولار والبحث عن تحويلات بعملات أخرى، لأن الولايات المتحدة الأمريكية بقرارها هذا تكون قد أخلّت بالمبدأ الاساسي لقانون التجارة، حيث كانت تكرّس سابقًا عدم جواز فرض رسوم جمركية وضرائب تحدّ من انسياب البضائع، وساهمت بخلق مناطق تجارة حرة ومنظمة التجارة العالمية، لذا فمن الطبيعي أن يكون لهذه الإجراءات اليوم- والتي قال الرئيس الفرنسي ماكرون عن تجميدها لمدة تسعين يومًا، أنها لن تغير شيئًا لأنها عملية غير مستقرة وغير آمنة- أن يكون لها تأثير كبير جدًا على مكانة الدولار العالمية.
احتياطي الذهب لا يسد عجزًا
من العملة الخضراء إلى المعدن النفيس، الذهب الذي يشكل الملجأ الآمن للدول والأفراد في حالات الهزات الاقتصادية والحروب، يوضح الدكتور مقلّد هنا أن تغيّر أسعار الذهب عالميًا ناتج عن عوامل مرتبطة بالآثار النفسية العامة لدى المستهلكين التي تسببت بها خطوات ترامب وحالة الاهتزاز واللا ثقة الموجودة في العالم، وفيما يتعلق باحتياطي الذهب الأمريكي، فإنه وفي ظل عدم وجود تغطية “ذهبية” للعملة، فإن هذا الاحتياطي يبقى وسيلة اكتناز لديهم، كما أن قيمة هذا الاحتياطي فعليًا لا تغطّي شيئًا من قيمة العجز الموجود في مستوى الدخل.
عواقب تراجع النفط الكارثية
لسوق النفط أيضًا نصيبٌ من التداعيات، حيث رأى الخبير الاقتصادي أن قرارات ترامب الجمركية تسبّبت فعليًا بانخفاض أسعار النفط على عكس ما هو متوقع. هذا الانخفاض يفسّر في سياق الخسارات التي تكبدتها الشركات الأمريكية الكبرى مؤخرًا على صعيد قيمتها السوقية، أبرزها شركة ” Apple” التي خسرت في اليوم الأول لإعلان القرار، 640 مليار دولار من قيمتها، وشركة “Nike” التي فقدت أيضًا 20% من قيمتها السوقية.
هذه الخسائر تعني، أن هذه الشركات العملاقة لن تصل مجددًا لرقم المبيعات الأعلى الذي بلغته سابقًا، وبالتالي ستقلّص كثيرًا من مستوى الإنتاج لديها، ما يتسبّب بتخفيض استهلاك النفط، يضاف لذلك الركود المتوقع في الاقتصاد العالمي، والذي سيؤدي بدوره لتراجع نسب استهلاك النفط، أي انخفاض الطلب في الوقت الذي يرتفع فيه العرض، فمن البديهي حينها التسبب باختلالات في أسعاره، وهذا من غير الوارد أن يُعالج بسرعة، وإن كان القرار مجمدًا لـ 90 يومًا، إلا أن تأثيراته الضخمة برزت من اللحظات الأولى على كل المؤشرات والدول ونتائج الأعمال.
العملات الرقمية تجتاح سوق الدولار
المؤشرات شملت أيضًا العملات الرقمية التي كان لها تأثيرها أيضًا، فرغم محاولات ترامب تحويل جزء من الاحتياطات الأمريكية بالعملات الرقمية، تمامًا كما فعلت دول مجموعة “البريكس”، ومهما تأثرت العملات الرقمية بتداعيات الحرب الاقتصادية القائمة، فإنها ستستحوذ على جزء من سوق الدولار لأن ما فعله ترامب بقراراته مع الدول، سيقلّص الحجم السوقي لاستخدام الدولار، وبالتأكيد سيقلّص حجم الاكتناز من هذه العملة. وفي الوقت عينه، وهو وإن سعى لتخفيض قيمة الدولار ليسمح لنفسه بالتنافس أكثر، فإنه غير مدرك للنتائج السلبية لهذه الخطوة، خاصة مع اعتماد الولايات المتحدة الامريكية بشكل أساسي على الاستيراد مع عملة أكثر ضعفًا من العملات الأخرى، لتكون فاتورة الاستيراد بذلك أعلى بكثير.



