ممر داوود ودور الدروز المُحتمل في خطط إسرائيل لتقطيع شرايين الجسد السوري

بقلم: علي وطفي..
بكل وضوح الكيان الإسرائيلي يعمل على استخدام الدروز السوريين كـ”طابور خامس” او منطقة نفوذ له في سورية، لكن الرهان حتى الآن لم يتحقق، على الرغم من التصريحات الاستفزازية للمسؤولين في تل أبيب لا يزال الدروز السوريون يعلنون أن “القبلة” بالنسبة لهم هي دمشق، وانهم عرب سوريين، على الرغم من استمرار التوترات مع الحكومة الانتقالية بل هي في تزايد.
ظهر ذلك بعد حادثة ضاحية “جرمانا “ بدمشق، التي قتل مسلحان من الجماعات الدرزية المحلية موظفا في جهاز الأمن العام التابع للحكم الانتقالي، مما ادى إلى محاصرتها من قبل هذه القوات.
سريعا قررت إسرائيل التدخل في الوضع، و قدمت نفسها ” مدافعة عن الدروز.” وطلب وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، من الجيش الجهوزية للتدخل لدعم الدروز اذا بدأت القوات السورية في تطهير الضاحية. مؤكداً “لن نسمح للنظام الإسلامي الراديكالي في سوريا بإيذاء الدروز، إذا فعل ذلك سوف نضربه.
كما أكد رئيس الدائرة العسكرية: ” نتعهد لإخواننا الدروز في إسرائيل” ببذل كل ما في وسعنا لمنع إلحاق الأذى بـإخوانهم في سوريا”، و يعتزم اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لضمان سلامتهم، إذا تحاول إسرائيل الاستفادة من الوضع غير المستقر في سوريا لتدمير مقدرات البلاد، التي قد تشكل في المستقبل تهديدا لإسرائيل.
لقد غيرت أحداث 7 أكتوبر 2023 إسرائيل بشكل كبير في تقييمها لأمنها وإجراءات الحماية والآن، ربما يبدو أن الحفاظ على الفوضى في البلدان المجاورة بدلا من الاستقرار هو الخيار الأفضل لتل أبيب من أجل وقف أي تحديات مستقبلية، لم تكن القيادة الإسرائيلية مهتمة بسقوط نظام الأسد معتقدة أن هذا سيؤدي إلى اضطراب خطير على الحدود وهي الآن تفعل كل شيء لضمان عدم قدرة السلطات السورية الجديدة على استقرار الوضع، بل إنها تريد أن تصبح سورية كدولة غير قابلة للإستمرار من حيث المبدأ و تتحول إلى عدة كيانات.
بالطبع، في هذا السيناريو قد تؤثر بعض ”المناطق” في الصراعات أيضا على إسرائيل، لكن هذه بالتأكيد لن تكون موجات عنيفة مثل “طوفان الأقصى” ويصبح من الأسهل بكثير مواجهتها كما تتحدث إسرائيل عن هذه الخطط مباشرة و بلا تردد حيث أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي “جدعون سار” علنا عن تفضيل حكومة نتنياهو لسوريا مجزأة جاء في خطابه خلال انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي – إسرائيل عندما دعى إلى تقسيم البلاد إلى دويلات مستقلة منفصلة وفقا للتنوع العرقي والديني إنها الوسيلة الافضل لحماية الأقليات في البلاد الذين يتعرضون للتهديد من الحكومة الجديدة، لأن صوملة سورية هي بداية نجاح مشروع “ممر داوود” في إسرائيل ومشروعية ليهودية الدولة.
اما قيام ”الممر” في المرحلة الأولى التي أصبحت واقعا اليوم من خلال إنشاء منطقة أمنية في جنوب سوريا في محافظتي درعا والقنيطرة المتاخمتين لإسرائيل ويمكن للدروز في محافظة السويداء المجاورة، حيث يشكلون الأغلبية الاندماج مع هذه المنطقة وهذا من شأنه أن يخلق شريطا آمنا للسيطرة الإسرائيلية في جنوب سوريا بحيث يصبح الدروز عبارة عن ركيزة محلية لإسرائيل كما كان دور المسيحيون الموارنة في لبنان وغيرهم في “جيش لحد” العميل جنوب لبنان حتى عام 2000.
وتجلت حقيقة إطلاق المرحلة الأولى من السيناريو في الإنذارات المتكررة من قبل حكومة نتنياهو بشأن انسحاب جميع القوات المسلحة للحكومة السورية الجديدة من المناطق الجنوبية من سوريا.
في المرحلة الثانية من المخطط هو تمديد ممر داوود عبر المناطق الصحراوية على طول الحدود مع العراق، بالاعتماد على قاعدة التنف الأمريكية.
على أن يتم توفير هذا الحزام الأمني من قبل القبائل العربية التي كانت جزءا من “الجيش السوري الحر” الموالي لأمريكا المتمركز في التنف وأن يمتد إلى الأراضي التي تسيطر عليها التشكيلات الكردية “قوات سوريا الديمقراطية” في شمال شرق سوريا وبالتالي يتم عزل إسرائيل عن مناطق العراق الشيعية الموالية لإيران بواسطة مجموعة قوية من القوات المتحالفة معها ومع الولايات المتحدة واستطراداً عزل الحكومة “الإسلامية” في دمشق.
للقيام بذلك يجب على العلويين في الساحل وفقا لهذه الخطة الانفصال عن سوريا وتشكيل شبه دولة، بالفعل تجري اليوم شائعات في الصحافة الغربية بأن إسرائيل ترغب في بقاء القواعد الروسية في سوريا وتتفاوض على ذلك ليس فقط مع روسيا ولكن أيضا مع الولايات المتحدة.
من الواضح أن هناك تلميح إلى أن الجانب الروسي قد يصبح راعياً سياسياً لهذه “الدولة العلوية”، بينما الولايات المتحدة مهمتها في رعاية الدروز والأكراد والإسرائيليين وحماية “ممر داوود .”
الدروز بين مطرقة تل أبيب وسندان دمشق
لكن خطط إسرائيل بعيدة المدى تصطدم بعقبة قوية، عندما رفض الدروز على الفور أي مساعدة خارجية مؤكدين من جديد وحدة سوريا وعدم قابليتها للتجزئة عبروا عن ذلك بمظاهرات بالأعلام السورية ضد تصريحات ”نتنياهو وكاتس” وجدير بالذكر أن الشخصيات الدينية والسياسية الدرزية المؤثرة من السويداء هي من توسطت في حل النزاع بين سكان “جرمانا” وجهاز الأمن العام التابع للحكومة الانتقالية ودخل بالكامل إلى هذه الضاحية.
من ناحية أخرى ربما محافظة السويداء تلعب لعبتها الخاصة من خلال استخدام الدعم السياسي للدروز الإسرائيليين وطبيعة هذه “اللعبة” هي في الضغط المنهجي على دمشق للحصول على بعض امتيازات الحكم الذاتي في السياق السوري العام وفي الوقت نفسه لا ينبغي مساواة ارتباط الدروز السوريين بالدروز الإسرائيليين بعلاقة الدروز السوريين بإسرائيل، بالفعل في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، والتي أعلنت تل أبيب ضمها في ثمانينات القرن الماضي حافظوا على الهوية الوطنية السورية في الجولان حتى يومنا هذا ويرفضون الخدمة في الجيش الإسرائيلي والجنسية الإسرائيلية في غالبيتهم، لكن لا ينبغي الاستهانة بأنشطة أجهزة المخابرات الإسرائيلية وخاصة الموساد الذي يستخدم بعض الدروز الإسرائيليين لإنشاء شبكات موالية لإسرائيل بين أبناء الطائفة في سوريا ومن الواضح تشكيل “المجلس العسكري” في السويداء الذي تم إنشاؤه مؤخراً يمكن اعتباره موالياً لإسرائيل حيث أعلن عن نفسه بصوت عال بعد إعلان خطط إسرائيل لتقسيم سورية، لكن يبقى تأثير هذا المجلس بين الدروز السوريين ضئيل جداً على الرغم من وجود أفراد عسكريين مؤهلين تأهيلا عاليا في صفوفه تم تدريبهم في قاعدة “التنف” الأمريكية عام 2023م على عكس ” لواء الجبل” وقوات “شيوخ كرم” حيث يفوق عدد هذه التشكيلات المسلحة بشكل كبير هذا المجلس الذي لا يلقى دعم زعماء دين الطائفة.
يبقى مفتاح حل المشكلة في دمشق والموقف الذي سوف يتخذه الدروز يعتمد إلى حد كبير على تصرف السلطات السورية الجديدة نفسها، واضح عدم الثقة من خلال مواقفهم المعلنة اتجاه حكومة الشرع الإسلامية في دمشق وتجربتهم السلبية مع جماعة جبهة النصرة قبل أن تتحول إلى هيئة تحرير الشام وتحكم دمشق حين أجبرت المناطق الدرزية في إدلب على اعتناق الإسلام وتم أسر وقتل الكثير منهم بعد إعلانهم “مرتدين” رغم ذلك تم الآن حل العديد من المشاكل مع السلطات الجديدة إلى ان توافقوا في كانون الثاني على نشر قوات الأمن العام التابعة للحكومة الانتقالية في محافظة السويداء بعد أن منعوهم الدخول إليها في السابق، كما تقوم قوات الامن بالفصل بين الفصائل المتحاربة من القبائل الدرزية والقبائل البدوية المحلية ورغم ذلك تبقى الميلشيات المحلية الضامن الرئيسي لأمن المحافظة وفصائل دمشق، لأن ذلك يمكن أن يُسّرع في اندماجها حيث عدم الثقة حاضرة في العلاقة، بل تتزايد بسبب دعوات الحل الجذري لوضع محافظة السويداء من بعض ميليشيات الأكثر تطرفاً في منظمة”هيئة تحرير الشام” المهيمنة على السلطة في الوقت الحالي وهذا يؤثر بشكل خطير ويباعد بين دمشق والمجتمع الدرزي في البلد” وقد يستثمر الموساد ذلك بالاتفاق مع المتطرفين من الهيئة وهندسة الصدام بين الطرفين.
في كل الاحوال تواصل إسرائيل الضغط والتلاعب على الاطراف السورية المختلفة باستخدام كل وسائل التحريض على الكراهية خصوصاً ضد المكون الدرزي من قبل العرب السنة وبالعكس من أجل توسيع وتعميق الصراع العرقي والديني مما يؤدي الى حتمية طلب الحماية من تل أبيب وتحقيق الهدف النهائي الاكبر فعلياً اي الوصول إلى تفتيت الجغرافية السورية التي كنا نعرفها بشكل نهائي وتحقيق حلم المشروع التوسعي التاريخي الذي يجسده “علم” الكيان في حدود ما بين النهرين.


