لماذا تسعى القوات اللبنانية للعبث بالاستقرار وإسقاط الدولة؟

بقلم: محمد الحسيني..
ليس مفهومًا إصرار فريق يحمل الجنسية اللبنانية على العبث بالاستقرار الداخلي، واللعب على الوتر الطائفي، وزرع بذور الشقاق والخلاف بين الأطراف اللبنانية، وما هو مستغرب أكثر، سعي هذا الفريق إلى تعرية لبنان من عناصر قوته ومقوّمات صموده، أمام الرياح العاتية التي تعصف بالمنطقة!! ولا حاجة إلى شرح خريطة التحديات الداخلية والأزمات المتلاحقة التي تتزاحم في أكثر من ساحة إقليمية ودولية، لندرك عمق المخاطر التي تنتظر لبنان، وهو ما زال في بداية مسار إعادة بناء مؤسساته الرسمية وتثبيت دعائم الحكم الجديد مع كثير من الاستحقاقات التي أعلن الرئيس جوزاف عون عن عزمه على مواجهتها ومعالجتها، وفي طليعتها إعادة إعمار ما هدمته الحرب العدوانية الإسرائيلية وتحرير الأراضي المحتلة واستعادة الأسرى اللبنانيين، وفق ما جاء في خطاب القسم والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام.
يحكم المنطق الوطني، أن تقف المكوّنات السياسية والحزبية في لبنان وراء العهد لإنجاح مسيرته الإصلاحية، أملًا بتجربة جديدة تنال ثقة اللبنانيين جميعًا دون تفرقة أو تمييز وتستجيب لتطلعاتهم ومطالبهم المحقّة، وهذا ما بادر إليه حزب الله في انتخاب الرئيس عون وتسهيل عملية تشكيل الحكومة وإعطاء الفرصة للحكم في تنفيذ تعهداته دون أي إحراج أو ضغط، إلا أن ما تشهده الساحة اللبنانية من سعار محموم يتفرّد به بعض الأفرقاء يهدّد انطلاقة الحكم، خصوصًا أن هؤلاء يجاهرون بتبنّي المقولات الأمريكية والإسرائيلية بشأن ما ترسمه واشنطن لمستقبل لبنان، ويسعون لتشكيل موجة ضغط داخلية تتوازى مع التغوّل “الإسرائيلي” في استمرار عدوانه على لبنان، فضلًا عن توسيع دائرة احتلاله للأراضي السورية مع ما بدأ يرشح من سيناريوهات انعزالية خطيرة تهدّد وحدة لبنان كما وحدة سورية، وتنذر بإنشاء كانتونات طائفية متناحرة.
يستعجل هذا الفريق كما الأمريكي و”الإسرائيلي” في إقرار معادلة تقسيمية تعيد لبنان إلى أجواء الحرب الأهلية بذريعة نزع سلاح المقاومة، وتدفع باتّجاه إقحام الجيش اللبناني في مواجهات داخلية وحرفه عن الدور الأساسي المولج به وهو حفظ سيادة الوطن إزاء الممارسات العدوانية الإسرائيلية المستمرة، وهو ما يتقاطع مع ما صرّح به مسؤولون أمريكيون وصهاينة حول رؤيتهم لدور الدولة والحكومة في لبنان، والذي حصروه بنزع سلاح حزب الله في لبنان كلّه وليس فقط في مناطق جنوبي الليطاني بخلاف ما ورد في القرار 1701، وأقرنوا إملاءاتهم هذه بتهديدات وقحة، حيث ربطت تحقيق هذا الهدف بالسماح للدول المانحة – العربية منها خصوصًا – بتقديم تعويضات مالية ومساعدات لإعادة إعمار ما هدّمته آلة الحرب الإسرائيلية، وهذا بحد ذاته إمعان في استمرار الحرب وتعميق جراح اللبنانيين دولة وجيشًا وشعبًا ومؤسسات.
وما يدعو للأسف أن هذا الفريق (القوات اللبنانية) الذي يدّعي الوطنية والحرص على الاستقرار يدمن اللعب على وتر التناقضات، ففي الوقت الذي يعلن فيه دعمه للرئيس عون ومسيرته يبادر إلى الغمز من زاوية رئيس الحكومة نواف سلام وتصويره بأنه الرجل المؤهل لتنفيذ الأجندة الأمريكية، عادًّا موقفه بشأن المقاومة “يمثّل الثقة التي منحته إياها القوات اللبنانية”، ووصل به الأمر إلى تجييش الرأي العام اللبناني ضدّ المقاومة وسلاحها متظلّلًا بمواقف المسؤولين الأمريكيين ليطلق تهديدات مستهجنة، و”وضع برنامج زمني لتسليم سلاح حزب الله جنوب الليطاني وشماله”، فما معنى أن يطالب الوزير القواتي السابق غسان حاصباني بـ”ضبط السلاح أو تسليمه أو نزعه طوعًا إلى الجيش اللبناني كي لا يتعرّض إلى التدمير!!”، وأين تستقيم الوطنية في تهديده بأنه “قد يتدخّل طرف دولي لفرض سحب السلاح وهناك من هو مستعد للقيام بذلك!!”، على أن أخطر ما جاء في حديث الرجل أنه “إذا لم يتسلّم الجيش سلاح حزب الله بالقوّة أو بالتراضي، فسيتم تلزيم هذه العملية للإسرائيلي جنوبًا وللسوري شرقًا ربما!!”.
تشكّل هذه التصريحات ومثيلاتها، ضربًا للعهد بشكل مباشر وتمعن في دق أسافين الفتنة الداخلية من خلال تصوير حكومة سلام، طرفًا مباشرًا في عملية استهداف المقاومة، وهذا ما يتقاطع مع كلام مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دايفيد شينكر لجريدة “الشرق الأوسط”، والذي رأى، “أن الحكومة اللبنانية تفضّل أن تواصل “إسرائيل” عملياتها ضدّ حزب الله على أن تُجري عملياتها بنفسها”. ويتبدّى الاستعجال القواتي المتماهي مع الاستعجال الأمريكي – “الإسرائيلي” في المطالبة بالتطبيع مع العدوّ “الإسرائيلي” للتخلّص من “مشكلة حزب الله” في الداخل، ويستعيد المستعجلون نغمة “المفاوضات” و”الدبلوماسية” كأداةٍ “لحلّ كلّ شيء”، في تكرار لتصريح المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف الذي كشف عن اتّجاه واشنطن للطلب من لبنان “التوجّه إلى مفاوضات سياسية مباشرة وجهًا لوجه مع “إسرائيل” وتكليف شخصية مدنية هذه المهمّة”، وأكّد أنه “على لبنان التوجّه إلى المسار السلمي في وقت قريب، وثمة فرصة أمام الرئيسين جوزف عون ونواف سلام للمساعدة في هذه المهمّة”، مضيفًا: أن “لا إعمار للجنوب والمناطق الأخرى المتضررة.. قبل إطلاق هذه التسوية مع تل أبيب.. ولن تقدم دول الخليج على المساهمة في إعمار الجنوب قبل بلورة العملية السياسية الجديدة، وقد أبلغت واشنطن المسؤولين الخليجيين بالأمر”.
في المقابل، يؤكد الرئيس جوزاف عون في مقابلة مع محطة “فرانس 24″، أن “الأولوية الآن للجنوب، والجيش اللبناني يقوم بواجبه هناك وحزب الله متعاون في الجنوب.. أما المرحلة اللاحقة، فستخضع لتوافق اللبنانيين واستراتيجية الأمن الوطني ضمن حوار داخلي، لأن الأساس هي وحدة اللبنانيين”، نافيًا إمكان “حدوث أية مواجهة عسكرية داخلية لتجريد الحزب من سلاحه”. وإذ رأى أن تجربة اللبنانيين مع “إسرائيل” في الاتفاق الأخير غير مشجعة، أعرب عن قناعته بأنه “لا توجد ضمانات لوقف الانتهاكات الإسرائيلية”، وكان الرئيس عون حاسمًا لجهة نفيه طرح أي تفاوض مباشر مع “إسرائيل” حول التطبيع في الوقت الحالي، مؤكدًا ارتباط لبنان بمبادرة السلام العربية، “وسننتظر الظروف بخصوص أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل”.
من المؤكد، أن فريق “القوات اللبنانية” لن يكف عن التسويق للمنطق الأمريكي – “الإسرائيلي” معتمدًا على وهم أن الظروف الراهنة مناسبة للاندفاع قدمًا في خطاب التفرقة، حتّى لو أدّى ذلك إلى ضرب أسس استقرار الدولة اللبنانية بخلاف معظم الأطراف السياسية التي تتداعى للوقوف خلف العهد لإنجاح مسيرته، ومن يستعرض مسيرة هذا الفريق ورئيسه يستنتج بوضوح أن جلّ مساعيه الماضية والحالية والمستقبلية تهدف إلى تهشيم كيانية الدولة وتماسكها، خصوصًا أن رهاناته السابقة بأن تحمله رياح التغيير إلى سدة الرئاسة قد فشلت بشكل ذريع ولن يعود لديه أية فرصة للنجاح في مسعاه هذا، لذلك يراهن – دأبه في أضغاث أحلامه – على أن التخريب الداخلي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل السلطة فيأتي حاكمًا كانتونيًا على صهوة الفيل الأمريكي.



