ثقافية

“مذكرات دجاجة” رواية تكشف عن بدايات الإحتلال الاولى لفلسطين

حسن نعيم

تعد  رواية ” مذكرات دجاجة” للكاتب الفلسطيني إسحق موسى الحسيني (1905-1991) المدخل التاريخي لدراسة الرواية الفلسطينية وهي النص الروائي الفلسطيني الأبرز الذي يعبر عن تلك المرحلة التي سبقت نكبة عام ١٩٤٨،  ودجاجة الحسيني الذي يعتبر واحداً من أهم  الأسماء الروائية التي عرفتها الساحة الثقافية الفلسطينية ليست دجاجة عادية، وليست دجاجة متفلسفة فحسب على حد تعبير عميد الأدب العربي طه حسين في مقدمته للكتاب، إنها دجاجة سوسيولوجية وسياسية وواعظ إخلاقي تتمتع بنضج وحكمة ودراية يفتقدها كثيرمن البشر.

غير أن كل هذه  الأبعاد على أهميتها لا ترقى إلى أهمية الموقف السياسي والإيديولوجي من الإحتلال الذي طرحته هذه الرواية الصادرة عام 1943 أي قبل قيام دولة الإحتلال الصهيوني رسمياً عام ١٩٤٨.

رواية ” مذكرات دجاجة” للكاتب الفلسطيني إسحق موسى الحسيني- عن وزارة الثقافة في رام الله –  عن دجاجة حكيمة، تحكي لنا مذكراتها بأسلوب أدبي ولغة بليغة، طيعة، طريفة تتصل بالتراث الأدبي العربي مستعيدة أسلوب عبد الله ابن المقفع في رائعته  الشهيرة “كليلة ودمنة” حيث تصاغ الحكاية على لسان الحيوان،  ليمتزج الحيواني  بالإنساني – الواقعي. وتنطلق الحوارات لتكشف عن رؤية الكاتب الفلسفية ولتبعث رسائل مرمزة على لسان الدجاجة في كل الإتجاهات.

تقع لهذه الدجاجة الحكيمة أحداث عدة وأبرزها طردها من بيتها الذي ولدت وترعرت فيه (إشارة إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه)  هناك حيث كانت تعيش هانئة آمنة تحت حماية رجلها الديك الذي تحبه وتتغزل بريشه الملون بأجمل الألوان، وعرفه القرمزي الذي يتدلى من مفرقه، وعنقه الطويل الوسيم الذي يشبه غصن المنثور وقت إزهاره ، وأظافره العاجية، وصوته الجميل، واناشيده الرائعة

في البيت الجديد تلتقي بديك آخر  يتزوجها ويحبها ويفضلها على بقية زوجاته ، الأمر الذي يثير غيرتهن وحسدهن لها، ورغم ذلك تعيش الدجاجة هانئة بحب هذا الزوج وحنوه عليها، ولكن هذا الإستقرار والهناء لا يدوم طويلا فقد ظهر عدو أوشك على الانقضاض على زوجاته فتصدى الزوج وأظهر شجاعة وقوة مكنته من الدفاع والذود عن حماه وعشيرته، رغم الجراح التي ألزمته الفراش، وما لبثت أن أودت بحياته، وبعد وفاة الزوج واختفاء السلطة المركزية تظهر طبائع المخلوقات على حقيقتها وتنوعها تنوع الحياة نفسها، فأثناء علاج الزوج جراء الجروح التي أصابته يظهر التنوع والاختلاف بين المخلوقات، وبعد موت الزوج عمود البيت وحامي الحمى تبدأ مرحلة أخرى من حياة الدجاجة وأترابها حيث حياتهم أصبحت معرضة للخطر، وكل الحمل ملقىً على عاتقها لإصلاح طبائع أترابها وفساد عقولهن ، حاملة طبها دوارة به عليهن، وأبرز دواء من أدويتها ومرهم من مراهمها هو الحب الذي يمكن جماعتها من مواجهة ومؤامرات الأعداء” فإن لم يجمعنا الحب والوفاء لن نتغلب على  على الصعوبات والمعيقات الطارئة في الحياة، ولا بقاء لنا مجتمعين إن لم تكن القيم العليا هي التي تجمعنا، فإن لم تسد هذه القيم فإننا حتما سنتعرض للتفرقة.

ولم تكتف دجاجة الحسيني بإلقاء المواعظ الإخلاقية بل باشرت بالتصدي لهجوم أحد العمالقة الذي قتل كل أترابها ولم يبق إلا هي وصيصان إحدى أترابها الذين أنقذتهم من الموت أيضا. يأتي تصدي الدجاجة للعمالقة كتطبيق عملي لرؤيتها الرافضة للهيمنة والإستكبار “إن الحكم عند هؤلاء العمالقة لا يقوم على المثل العليا، ولا على المبادئ الصحيحة، وإنما يقوم على أساس واحد، هوالقوة .. ولكن الله يعلم أن العمالقة لا تعدم حيلة للخروج عن كل تسوية يرتئيها…” ولا تلبث هذه الدجاجة المسيسة أن تقرأ، وتحلل سلوكيات القوى الإستعمارية وتصنفهم أقوياء وأكثر قوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى