لم يبق للبرلمان من يحترمه
أفرزت العملية السياسية في العراق واقعاً مريراً, لا ينطبق عليه مسمى الديمقراطية، وتحولت سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية, الى موضوع للتندر والسخرية, وبنفس المقدار أيضا, أثار حالة من الغضب عند المواطن العراقي، ويعد البرلمان أسوأ هذه السلطات الثلاث, على الرغم من كونه أهمها، فهو صوت الشعب, ومصدر التشريع والرقابة, ومنه تبدأ ماكينة العملية السياسية بعد كل انتخابات, وتحت قبته يسمّى رئيس الوزراء وحكومته, ورئيس الجمهورية وطاقمه، وهو الرئة التي يتنفس بها العراق سياسياً, فان نفد رصيدها الشعبي, وغرقت في أوحال الصفقات والمساومات, وتحولت الى مؤسسة ربحية أشبه بشركة مساهمة، وتنفست هواءً فاسداً، فهذا يعني فساد جسد العملية السياسية برمتها وتسمم أوصالها.
نسمع كثيرا عن حالات غريبة وشاذة, في بعض برلمانات العالم, إلا أنها لم تصل إلى ما وصل اليه البرلمان العراقي، فلم تبق حالة سلبية إلا وحصلت تحت قبته، حتى تحول الى سوق هرج ومرج، لا يستحي نوابه ان يمارسوا فيه, عمليات البيع والشراء بأعلى أصواتهم, ولا يهمهم ان كانوا في جلسة علنية أو سرية، فلم يعد هناك ما يخشون إخفاءه، رئيس البرلمان يتهم بالفساد, وهو جالس مزهو على منبره, دون أن يفرز قطرة عرق واحدة من جبينه، نواب تكشف ملفات فسادهم على الملأ, ولا يغيّر ذلك من لون وجوههم المترفة، وزراء ومسؤولون يدخلون البرلمان, وعليهم قضايا فساد بوثائق وأدلة, ويخرجون منه بنشوة الأبطال, والابتسامات تعلو شفاههم, وكأنهم خرجوا من ليلة دخلتهم.
قضايا هزت المجتمع, وكلفت البلد شهداءً وجرحى, وخسائر بمليارات الدولارات, وآلاف النازحين والمهجرين، كقضية تسليم الموصل, التي لا يختلف اثنان إنها كانت خيانة عظمى، وجرائم مروعة تندرج في إطار الإبادة الجماعية, كقضية سبايكر وتفجير الكرادة، دون ان نلمس إجراء يتناسب مع حجم هذه القضايا, سوى تشكيل لجان سوفت نتائجها, وحفظت أسرارها ومنعت من الإعلان، حتى لم تعد هناك أهمية, لعرض أية قضية على البرلمان, مهما كانت خطيرة ومهمة, لأنها ستكون بالنتيجة, عرضة للصفقات والمساومات والبيع والشراء.
وهذا يعني أننا أمام سماسرة, وليس نواباً انتخبهم الشعب, ليكونوا ممثلين عنه, وتحت قبة بورصة تجارية, وليس برلماناً تشرع فيه أخطر القوانين, التي تمس المواطن والدولة، فهل بعد ذلك يمكن ان نجد بين المواطنين, من يحترم هذه المؤسسة ويثق بها وبمخرجاتها وقوانينها، ولعل هذه النتيجة هي الأخطر, والتي ستضع المواطن العراقي أمام خيارات أحلاها مر، إما التعامل السلبي مع الواقع السياسي, والركون الى مقاطعة الانتخابات, وهذا يصب في مصلحة الكتل السياسية, لأنها تريد الساحة لها تلعب بها كما تشاء, وإما العمل الجاد لإيجاد البديل, الذي يقلب الطاولة على هذه المجاميع والشخصيات التي لم تحترم شعبها، لتضع مكانها من يحمل هموم شعبه, ولا تغيّره المناصب والمكاسب, وهذه مهمة الشعب ومسؤوليته, التي سترعب هذه الكتل والزعامات وتقض مضاجعها.
يقول الكاتب الكولومبي الشهير غابريل غارسيا ماركيز, في احدى رواياته: أزمتي الكبرى هي أنني دمّرت الخط الفاصل, بين ما أعتقد انه حقيقة, وما أعتقد انه خيال.
أما برلماننا فان أزمته الكبرى, انه لم يعد يجد من يحترمه من أبناء الشعب, بعد ان دمر أواصر الثقة التي منحه إياها, حتى ما عاد يمثل صوت الشعب وشرائحه, بل صوت الأحزاب وزعاماتها.
محمد محي



