مفهوم الإنقاص البلاغي وعلاقته بالحذف والتكثيف

المقصود هنا هو “الحذف البلاغي”، وله أشكال كثيرة في اللغة العربية، تظهر في المفردة، وفي الجملة، وحسب قاعدة اللغويين، فإن كل تغيّر في المبنى فإنه سيؤدي إلى تغيّر في المعنى، وعليه لو تم حذف حرف فإنه سيؤّول هذا الحذف بلاغيا، كما هو في تأويل الحذف في القرآن الكريم، ومحاولة المفسرين والنحاة جعل هذا الحذف، ذا قيمة معنوية بلاغية، لها ارتباط بالسياق الذي جاءت فيه.
من ذلك مثلا لو تم النظر إلى الحذف في سورة الكهف لوجد الباحث، أن للحذف معنى ما بلاغيا في الدرجة الأولى، وقد جاء الحذف في هذه السورة على أشكال متعددة، حذف حرف من سياق، وإثباته في سياق آخر في السورة نفسها، فمثلا يقول الله تبارك وتعالى، “فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا”، فقد استخدمت الآية الفعل نفسه، مرة بحذف تاء افتعل ومرة بإثباتها، ولهذا عند المفسرين البلاغيين للقرآن دلالته المعتبرة، فلصعوبة النقب أكثر من إظهار السور (تسلّقه أو ارتقاؤه) أثبتت التاء، ربما كان ذلك المعنى هو المقصود وربما لم لا، لكنه تفسير وجيه، يثبت بلاغية الحذف، ناهيك عن أمر آخر متعلق بالمحافظة على الجرس الموسيقي للآية، فإنه سيتأثر في حالة إثبات التاء في الموضع الذي حذفت منه، والبلاغة القرآنية العالية يتحد فيها غير سبب تتعاضد معاً لتساهم في “شعريته” المتميزة، وسبق أن بينت ذلك في موضعه في كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية”.
وغير ذلك، فإن سورة الكهف تحفل بأكثر من مواقع حذف بلاغي، تم فيها “إسقاط” الحرف سواء أكان حرف معنى أم مبنى وحذف اسم، وحذف فعل، وحذف أسلوب، وفي كل مرة يوجد دليل على هذا الحذف؛ إما دليل بنيوي نابع من المبنى الصرفي للكلمة كما في “استطاعوا واسطاعوا”، أو بناء على التناظر بين شقي الجملة، بحذف اسم أو فعل لأنه في السياق نفسه ذكر هذا المحذوف، ولا يحسن ببلاغيّ ذكر شيء مرة أخرى إذا كان موجودا، فالعرب تكره التكرار الذي لا داعي له، ومن أمثلته في سورة الكهف حذف التمييز بعد العدد في قوله تعالى “وازدادوا تسعا”، لأنه ذكره في الشق الأول من الآية “ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين”، فمن المعروف أنهم ازدادوا تسع سنين، ولهذا حذفه، ولهذا الحذف أهميته البلاغية والمعنوية كذلك.
ومن اللفتات البلاغية في الحذف ما جاء في السورة في الآية الثانية والسبعين: “قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا” بعد المرة الأولى التي اعترض فيها موسى على خرق السفينة، وأما في الآية الخامسة والسبعين فقال تعالى: “قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا”، فحذف من الأولى “لك” تأدباً مع موسى، لكنه عندما كرر الاعتراض، ولم يستطع الصبر في المرة الثانية حاء بشبه الجملة “لك” لما تحمله من تنبيه، وزيادة جرعته لينتبه موسى إلى أنه بالفعل خرق الاتفاق مرة أخرى. أما في الاعتراض الثالث، فقد حذفت الجملة كاملة، فلم يقل له: “ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا”، وإنما تنازل عنها لأن العبد الصالح يعلم أن موسى لم يكن باستطاعته فعلاً الصبر، فلا داعي لجملة ترسخ معناها في الذهن، وأنه لا مجال أيضا لفرصة أخرى، معلنا انتهاء الصحبة، فجاء بالنتيجة مباشرة: “هذا فراق بيني وبينك”.
التكثيف
يتداخل معنى هذا المصطلح مع حقول معرفية متنوعة علمية واجتماعية، فالتكثيف علميا هو انتقال المادة من حالة الغازية إلى الحالة السائلة، ويستخدم في الفيزياء مع الطاقة الكهربية وعمل مكثفات لزيادة الطاقة والسعة، وفي مضخات المياه لزيادة ضخ الماء، وفي الحياة الاجتماعية المعيشة ثمة ارتباط لهذا المعنى بتكثيف الحليب والعجين وتكثير الشيء، وعليه فإن التكثيف يعني فيما يعني “تقليل ظاهر الشيء، وتجميعه في حالة معينة، ليبدو عند النظر فيه أكبر مما هو في الظاهر”، لذلك فإن التكثيف يحمل معنى الغزارة والتكثير، وكأن منشئ النص يحاول إنشاء بنية لغوية متداخلة، ومتراكب بعضها فوق بعض، لتبدو في ظاهرها جملة قصيرة، لكنها في الحقيقة عند التحليل تحمل معاني تستهلك الكثير من القول والشرح، لأن الكلمات المكونة للبنية النصية في ذاتها تحمل معاني أكثر من البنية.
وهذا المفهوم يشتبه بمفاهيم أخرى، كإيجاز القِصَر، وليس إيجاز الحذف المحسوب على ظاهرة الحذف البلاغي، فالتكثيف ليس شرطا أن يلجأ إلى الحذف، إنما يعني أن البنية اللغوية قد تكون كاملة لا حذف فيها، إنما تحتمل معاني كثيرة، وللتكثيف وسائل متنوعة كالاستعارة بمفهومها المعاصر المنبتّ عن التشبيه، وتوظيف بنى لغوية لها معانٍ متعددة، أو استخدام عبارات يؤدي اجتماعها معا إلى تعدد الدلالة وانفتاحها حسب الظروف والأحوال.
ومن الأمثلة على ذلك مثلا كثير من آيات القرآن الكريم المكي التي حسبها المفسرون المعاصرون على الإعجاز العلمي، وخاضوا فيها كثيرا، أو تلك الآيات القرآنية التي تعددت دلالتها بتعدد المفسرين باختلاف العصور والبيئات، مثل قوله تعالى: “ويخلق ما لا تعلمون”، التي جاءت تذييلا بعد تعدد النص القرآني لوسائل المواصلات التي كانت معروفة أيام نزول النص القرآني، فجاءت الخاتمة لتستوعب كل ما جاء بعد ذلك من وسائل مواصلات حديثة من السيارة والدراجة والقطارات والطائرات، وربما يكون وسائل أخرى تستجد على بني البشر، سيظل النص يستوعبها؛ لأنه نص مصوغ بكيفية عامة مكثفة، ملبدة، غزيرة في المعنى، قابلة للتفسير أو لضخ معانٍ جديدة في كل مرة.
ومثل هذه الآية في التكثيف المذهل للمعنى العظيم المتناسل غير المنتهي قوله تعالى “وإنا لموسعون” تعقيبا على قوله تعالى “والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون”، ليوظفها علماء الفيزياء الكونية ليروا فيها نظرية تقول إن الكون يتوسع، ويأخذون بشرح هذه النظرية وربطها بالنص القرآني، وهكذا كثير من الآيات التي تحتمل تعدد المعنى.
وبذلك يلتقي التكثيف مع الحذف البلاغي في تقليل البنية اللغوية أو ما يعرف “بالاقتصاد اللغوي”، مع ضرورة أن يكون المعنى أكبر من البنية في الحالتين، وهذا ينطبق أيضا على الإيجاز والاستعارة والاختزال، لكنها تختلف عن كل تلك المفاهيم في أنها بنية لغوية مكتفية بذاتها لإحداث معانٍ متعددة، وأميل إلى أن العبارة القائمة على تقنية “التكثيف” لا يدخل الحذف من ضمن شروطها ولا أدواتها، وإن قال البعض غير هذا، لأن التكثيف يقتضي في معناه اللغوي طريقة جدل المعنى من ألفاظه التي تعبر عنه دون الحاجة إلى الحذف، كما في الآية الكريمة السابقة.
هذا الشرط هو ما يجعل التكثيف مصطلحا قائما بذاته، وله حدوده المعرفية التي تميزه عن غيره، ويمنح الدارسين إمكانيات تحديده ليكون مستقلا عن غيره، وليس بحاجة إلى أن يعتمد على غيره في تحققه. والتكثيف بهذا التحديد صعب للغاية، ولا يستطيع إنشاءه إلا كل من له قدرة وخبرة في عجن اللغة وأساليبها وتوظيفاتها.



