اخر الأخباراوراق المراقب

كيفية معالجة الإدمان على المعاصي

تكمن معالجة الادمان عبر تحفيز القوة المتخيلة، ذلك أنه من المعروف أن القوة المتعقلة ليست هي الحاكم الوحيد الذي يوجّه حياة الإنسان، بل إن القوة المتخيلة تنافس القوة المتعقلة في الحاكمية.. بل انها كثيراً ما تتغلب عليها، ألا ترى مثلاً، ان الإنسان يخاف من اللبث ليلاً في المقابر خاصة إذا كانت مظلمة؟ مع أنه من البديهي، أن الميت لا يعقل أن ينهض من قبره ليخنق الإنسان.. إلا إنها من حِيَل القوة المتخيلة وألاعيب الخيال الجامح، وهكذا هلم جرا.

والإدمان على المعاصي أنواع، فقد يكون إدماناً على الغيبة.. أو على التهمة أو النميمة أو الكذب، وقد يكون إدماناً على النظر إلى الأجنبية أو على العادة السرية لا سمح الله، وقد يكون إدماناً على المسكرات أو المخدرات.. وقد يكون إدماناً على إيذاء الزوجة أو ضرب الأطفال.. أو على الربا والرشوة وشبه ذلك.

وهنا يظهر دور محفِّزات الخيال.. فإن الإنسان العاصي لو التزم بأن يجلس يومياً خمس مرات في مكان هادئ ويتخيل الكذب كعقرب سوداء موحشة.. تخرج من فمه.. ثم تعود إليه مسرعة كي تلدغه في لسانه بقوة.. مراراً عديدة.. أو يتجسد أمامه ميتاً متعفناً تتجول الديدان على وجهه وهو جالس يأكل منه.. ويستشعر رائحته الكريهة.. ثم يقوم بربط معمق لهذا المشهد المجسد، بنفسه وهو يغتاب أحدهم ذلك (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) أو يستشعر ناراً عظيمة في بطنه متجسدة في هيأة أكله أموال اليتامى (إِنَّ الَّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ في‏ بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعيراً).

وذلك هو ما يصرّح به قانون الاستجابة الشرطية لبافلوف، حيث قام بتجارب تربط بين مثير بديل وبين الواقع، فرأى المثير الشرطي يؤثر نفس تأثير المثير الواقعي، فمثلاً رائحة الطعام الشهي تحرك غدد البزاق في الفم فتفرز اللعاب.. وهذه ظاهرة طبيعية في الحيوان والإنسان، فإذا التزمت الأم بدق جرسٍ ما قبل انتشار رائحة الطعام بدقيقة مثلاً أو إذا دققت الجرس قبل تقديم الطعام للحيوان بدقيقة.. فإنه بعد تكرر ذلك مرات عدة فإن لعاب الحيوان والإنسان سيسيل بمجرد سماع الجرس وهو يرنّ. ومن هنا يمكن للمدمنين على بعض المعاصي الذين يصعب عليهم الإقلاع عنها أن يربطوا، خيالياً ولكن بشكل متكرر، بين المعصية وبين العقاب الإلهي عليها، أو بين المعصية وبين أية صورة موحشة يتخيلها المرء.

وهنالك في الآيات والأحاديث ما يمكن الاستشهاد به على تجسّم الأعمال، إذ يقول تعالى: (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) ولم يقل (ووجدوا جزاء ما عملوا حاضراً) بل وجدوه نفسه حاضراً وهذا يعني أن الطاقة، وهي الصوت كالكلام الكاذب أو السباب أو النميمة، تتحول إلى مادة متجسدة قد تكون عقرباً وقد تكون ثعباناً وقد تكون نارا.

ومن هنا ورد في عقاب بعض الأعمال انها تتحول إلى ثعبان، فعن يوسف الطاطري أنّه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «وَذَكَرَ الزَّكَاةَ فَقَالَ: الَّذِي يَمْنَعُ‏ الزَّكَاةَ يُحَوِّلُ‏ اللَّهُ‏ مَالَهُ‏ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ لَهُ ريمتان [زَبِيبَتَانِ‏] فَيُطَوِّقُهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الْزَمْهُ كَمَا لَزِمَكَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ‏ (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ‏) الْآيَةَ.

وهذه المعادلة تشكل إجابة من بين إجابات عدة على شبهة السبب، فيما يعبّر عنه بعضهم بشدّة عقاب الله تعالى للعاصي على المعاصي، والجواب هو، أنها ليست جزاءً كي يقال انه قاسٍ أو لا، بل هو نفس العمل لا غير.. أي ان ضرب الزوجة هي حركة ايذائية وهي طاقة تتجسد ثعباناً يحيط بالضارب ويعتصره.. لا انه أمر آخر وعقاب آخر.. بل هو هو.. فهو كمن يلقي نفسه من شاهق فتتكسر عظامه.. فإن نفس عمله عِلّة تامة لتكسر عظامه (لو لم تكن موانع) لا انه جزاء من سنخ آخر.. فإذا التفت المرء إلى هذه المعادلة، علم انه ليس له أن يعترض بانه، لماذا كانت عقوبة إلغاء نفسي من شاهق شديدة؟.

وفي المقابل، فإن استثارة القوة المتخيلة في ثواب الأعمال أيضاً والقيام بعملية الربط الخيالي المتجسد بين العمل والثواب واستثمار قانون الاستجابة الشرطية، نافعٌ في الالتزام بالطاعات وفي الإقلاع عن المعاصي أيضاً.. فإذا كان المرء مدمناً على النظر إلى الأجنبية، فقرأ ما مضمونه انه إذا غض المؤمن طرفه عن النظر إلى الأجنبية، خلق الله له بمجرد ذلك حورية تنتظره في الجنة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): “مَنْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ غَمَّضَ بَصَرَهُ‏ لَمْ‏ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ بَصَرُهُ حَتَّى يُزَوِّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ”.

فإذا تخيل نفسه مراراً كثيرة.. انه قد وقع بصره في الشارع أو الجامعة أو السوق على امرأة أجنبية، فغض طرفه عنها فوراً وانه حصل بذلك على حورية لا نظير لجمالها في الكون كله.. فإنه سيمنحه ذلك مناعة أمام النظر إلى الأجنبية خاصة إذا استحضر في ذهنه بعض ما ورد في وصف حور الجنان، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “لَوْ أَنَّ حُوراً مِنْ حُورِ الْجَنَّةِ أَشْرَفَتْ‏ عَلَى‏ أَهْلِ‏ الدُّنْيَا وَأَبْدَتْ ذُؤَابَةً مِنْ ذَوَائِبِهَا [لَأَفْتَنَ‏] لَأَمَتْنَ‏ أَهْلَ الدُّنْيَا أَوْ لَأَمَاتَتْ أَهْلَ الدُّنْيَا وَإِنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّي فَإِذَا لَمْ يَسْأَلْ رَبَّهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ قُلْنَ مَا أَزْهَدَ هَذَا فِينَا”.

فإذا تصور انه مع كل اغماضة عين يحصل على حورية رائعة الجمال بل مذهلة الحال.. فإنه في المرة القادمة إذا خرج فوقع بصره على أجنبية فإنه، وبدافع من الوعي الباطن ومحفِّز قوي من قوة المتخيلة، سوف يغض طرفه فوراً (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ‏).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى