الاستعداد لتقطيع الكعكة السورية

بقلم: علي وطفي..
أدى تغيير السلطة في سوريا إلى تغيير جذري في المشهد السياسي للمنطقة بأسرها، والقوى التي تقف وراء الانقلاب، محاولة تقسيم البلاد وبتزايد الضغط على إيران ولبنان واليمن.
من إرهابيين إلى شركاء
بعد زيارة دمشق وصف وفد أمريكي برئاسة مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط “باربرا ليف”، القادة السوريين الجدد بأنهم “براغماتيون” يدلون بتصريحات معتدلة للغاية حول مختلف القضايا.
تلت ذلك الخطوة الأولى برفع العقوبات عن أبي محمد الجولاني، زعيم هيأة تحرير الشام، الذي استعاد اسمه الحقيقي “أحمد الشرع”، بعد الاستيلاء على السلطة تم وضع متشدد قاتل في صفوف القاعدة والدولة الإسلامية، على قائمة المطلوبين الدوليين، وكان من المتوقع الحصول على مكافأة قدرها 10 ملايين دولار للحصول على معلومات حول مكان وجوده، وربما محاولة جهاديي الأمس إعادة النظر في أيديولوجيتهم؟ كما لو لم يكن الأمر البارحة! مع إنهم يقومون بقمع أقليات وتم إطلاق النار للقتل على تظاهرات في اللاذقية، حمص وجبلة، حيث طالب المشاركون باحترام حقوقهم.
تم الإعلان عن مطاردة موظفي وأنصار الإدارة السورية السابقة بما اكتسبته السلطات المعلنة ذاتيا خبرة في مثل هذه السياسة خلال فترة وجودها في إدلب أسست نظاما دكتاتوريا هناك، مستخدمة السكان كمواد مستهلكة في الصيف الماضي، أدى ذلك إلى احتجاجات خرج الآلاف من السكان إلى الشوارع، غاضبين من الفساد والبطالة والقمع.
شهية رأس المال
أسباب هذه الازدواجية واضحة من رعاة الديمقراطية في العالم، السلطة السورية الجديدة على ما يبدو، مستعدة للتجارة بمصالح البلاد يساراً ويميناً، بعد ان أعلن “باسل عبد العزيز”، وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية عن الانتقال إلى نموذج السوق الحرة، للقيام بذلك سيتم إلغاء ضوابط الدولة على الصادرات والواردات، وسيتم تحرير سوق صرف العملات وخطط فتح الاقتصاد أمام الاستثمار الأجنبي “الدولة غير المنقولة”.
سلطة الامر الواقع تنفذ إرادة القوات الأجنبية التي أوصلتهم إلى السلطة، وتلعب تركيا وقطر اللتان ترعيان المسلحين لسنوات عديدة، دور العازفين الاول في هذه السيمفونية بعد خمسة أيام من الاستيلاء على دمشق، حيث وصل رؤساء وكالات استخباراتهم إلى قصر الشعب، وسرعان ما زار وزير الخارجية التركي “حاكان فيدان” سوريا، قائلا: “لقد انتهت الفترة الأكثر صعوبة ومظلمة لبلدك” الشعب التركي والدولة التركية ورئيسنا أردوغان سيكونون دائما بجانبكم”، ثم وزير الطاقة والموارد الطبيعية “باارسلان بيرقدار” ومسؤولون أتراك آخرون سيحلون (بردا وسلاما) على دمشق لاحقا.
يرحب الإسلاميون برعاتهم بأذرع مفتوحة، مؤكدين، ان النظام التركي دعم سوريا منذ الأيام الأولى للثورة، بقولهم؛ “لن ننسى ذلك ونحن نخطط لبناء علاقات استراتيجية مع أنقرة”، وأبرمت الأطراف اتفاقات بشأن إنشاء جيش سوري جديد، واستيراد الكهرباء والوقود، وخطة تكامل البنى التحتية للنقل، يتم تقديم كل هذا كبادرة حسن نية ورد الجميل.
من الملفت ان “بيرقدار” المذكور أعلاه صرح بان الصراع السوري مثل حريق في منزل أحد الجيران، ويؤكد: “سنفعل كل ما في وسعنا لاستعادة هذا المنزل”.
السلطات التركية تكذب والكل يعلم ان ”النار” في سوريا على ضميرهم وبأيديهم اشعلت هذه النار وبعد أن دمروا سوريا وسرقوا أكبر مدينة صناعية في الشرق الاوسط (شمال حلب) أول مرة، يريدون الآن أن يسيطروا عليها اقتصاديا وماليا وسياسيا، الذئب الرمادي كشر عن أنيابه حين أعلن وزير النقل والبنية التحتية التركي “عبد القادر أوروغلو” عن بدء العمل على ترسيم المناطق البحرية، أما وسائل الإعلام التركية الموالية وبشوفينية يشيرون إلى جرف المتوسط الغني باحتياطيات من الغاز الطبيعي، ويحثون النظام التركي على تغيير ميزان القوى في المنطقة بجرأة. كما كشف “بيرقدار” عن خطة لتزويد تركيا بالنفط السوري.
كما يحاولون إحياء مشروع خط أنابيب الغاز من قطر إلى أوروبا الذي تم ذكره لأول مرة في عام 2009، وإن سُمح ذلك للإمارة بتصدير الهيدروكربونات من حقل /الشمالي/ العملاق بأقصر طريقة ممكنة، فتكسب أنقرة الدور الذي تسعى له كمركز اساسي لتوصيل وبيع الغاز.
المشروع كان قد توقف بسبب موقف سورية عندما طرح رئيس النظام السابق الأسد “استراتيجية البحار الأربعة”، التي تنص على إنشاء مركز عبور خاص بها، كان هذا أحد أسباب اندلاع الحرب، بعد خمسة عشر عاما، وصف “بيرقدار” مشروع خط أنابيب الغاز بأنه “فرصة كبيرة، وخلال المحادثات القطرية التي عقدت خلال هذا الشهر اتفقت الدوحة و”دمشق الشرع” على شراكة استراتيجية.
بدأت سياسة الاغتصاب والقهر الاقتصادي هو مقدمة للسيطرة السياسية على القرار السوري، كما قال الرئيس رجب أردوغان: “لا يمكن لتركيا أن تقف حدودها عند 780 ألف كيلومتر مربع التي هي مساحة أراضي البلاد ويفي بالمهمة الموكلة إليه من قبل التأريخ” لقد تحدث بشكل أكثر صراحة إلى أعضاء حزبه في مدينة “ساكاريا” قائلا: “ لو كانت نتائج الحرب العالمية الأولى مختلفة، لكانت دمشق، حلب، إدلب، حماة والرقة مراكز لمحافظات تركية، ولكن حتى الآن، أضاف أردوغان “أنقرة” لا تعامل سوريا كدولة أجنبية”.



