اراء

ماذا ستتضمن طاولة المفاوضات بين إيران وترامب؟

بقلم: هدى رزق..

لم يكن انسحاب دونالد ترامب في ولايته الأولى من الاتفاق النووي في العام 2018 وفرض العقوبات الأمريكية على إيران وإصدار أمر اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني عام 2020، مجرّد ضربات سهلة بالنسبة لإيران. فقد تدهورت علاقة طهران مع الدول الغربية بعد أن كانت قريبة منها حتى نهاية العام 2020، أما العلاقة مع روسيا فلا تؤشر اليوم على ردم فجوة الثقة الحاصلة بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، في 8 كانون الأول 2024، أما الاتفاق الاستراتيجي الأخير في 15 كانون الثاني 2025 فلم يتضمّن توسيع نطاق التعاون بينهما على المستوى العسكري.

يأتي دخول ترامب إلى البيت الأبيض في هذه الظروف، مع احتمال إعادة تطبيق سياسة “الضغوط القصوى” التي تهدف إلى دفع إيران نحو إجراء تغيير في سياستها إزاء الملفات العالقة وفي مقدّمتها البرنامجان النووي والصاروخي، والدعم العسكري لروسيا في الحرب ضدّ أوكرانيا وهو المسار الذي عبّر عنه مستشار الأمن القومي مايك والتز، الذي قال، في 19 كانون الثاني 2025، إن “إيران في مرحلة ضعف حالياً، ما يجعل الوقت مناسباً لتتخذ الإدارة الأمريكية إجراءات حاسمة”.

تبدو إيران مستعدّة للتفاوض الحذر هذه المرة بشكل مباشر، لكنْ هناك خلافاً حول التفاوض، فالمحافظون يرونه تنازلاً أمام الضغوط الأجنبية وهم يعارضون بشدّة هذه الخطوة وينظرون إلى المفاوضات بعين الشكّ، ويفسّرونها على أنها تنازل، وأنّ الأولوية الرئيسة للجمهورية الإسلامية الآن هي قدرتها على البقاء، وأنها “سوف تسعى إلى إعادة تموضعها، وتعيد الاستثمار في العلاقات الإقليمية من أجل النجاة من الضغوط التي من المرجّح أن يمارسها ترامب، وهناك من المحللين الغربيين من يعتبر أنّ نظامها مرن للغاية ويمتلك أدوات هائلة من السلطة”.

من المؤكّد أن إيران ستعيد تقييم عقيدتها الدفاعية، التي كانت تعتمد على محور المقاومة، وستراجع برنامجها النووي وتحاول أن تقرّر ما إذا كان من الضروري استثمار المزيد في هذا المجال لتوفير قدر أكبر من الأمن للنظام.

خصّبت إيران اليورانيوم بنسبة 60 في المئة، وقالت إنها تفعل ذلك رداً على العقوبات التي أعادها ترامب والتي ظلت سارية عندما حاولت إدارة بايدن إحياء الاتفاق من دون جدوى.

كانت هناك قناعة لدى فريق ترامب في ولايته الأولى بأنّ العقوبات الاقتصادية يمكن أن تجبر طهران على الخضوع وهي تسبّبت بأضرار اقتصادية ما أدّى إلى خفض صادراتها النفطية وإلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخّم في الداخل، إلا أن إيران لم تقدّم تنازلات كبيرة، فقد ضاعفت برنامجها لتخصيب اليورانيوم وتهرّبت بشكل ما من العقوبات، ما أدى الى فشل الولايات المتحدة في إجبارها على اتفاق نووي جديد.. لكن هل تواصل إيران مقاومة التفاوض بشأن المسائل غير النووية؟.

يبدو أنّ فريق ترامب الجديد يريد اتّباع السياسة نفسها مع التركيز على صادرات النفط الإيرانية، مما يطرح ردّ فعل الصين، التي تواصل استيراد النفط الإيراني، على الرغم من العقوبات الأمريكية، إلا أنها بدأت تشعر بقلق أيضاً من الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.

الصين وإيران وعقوبات الولايات المتحدة

وقّعت الصين عام 2021 اتفاقية تعاون استراتيجي مع إيران لمدة 25 عاماً، واتفقتا على استثمارات صينية بمليارات الدولارات في البنية التحتية الإيرانية مقابل النفط الإيراني المُخفّض السعر.

إيران تشكّل جزءاً من خطة الصين الجيوسياسية الموسّعة، ويعتبر النفط الإيراني عنصراً حيوياً في استراتيجية تنويع الطاقة، يشكّل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لإيران حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا في مبادرة الحزام والطريق الصينية.

يعزّز التوافق الصيني الإيراني موقف بكين في المفاوضات مع واشنطن لكنها فضّلت تجنّب التحدّي الصريح للعقوبات الأمريكية، واتّبعت أساليب سرية لتخطّي العقوبات الأمريكية على طهران، علاقة الصين بإيران لا تحدّ من علاقاتها الاقتصادية القوية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ومع تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وتطوّرها إلى تنافس وحروب تجارية وتوترات عسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أصبح الدفاع عن المصالح الإيرانية الصينية اليوم يبدو أكثر صعوبة.

يمكن لتنفيذ سياسة الضغوط القصوى وإيقاف تصدير النفط الإيراني في ظلّ استمرار الحرب الأوكرانية الروسية وفي ظلّ العقوبات ضدّ موسكو، أن يتسبّب بارتفاع أسعار النفط العالمية ما يسبّب أزمة عالمية.

مما سيجعل تأمين الدعم الدولي لهذه الخطوة صعباً. إضافة إلى التحوّلات التي شهدها الشرق الأوسط ورغبة العربية السعودية والإمارات العربية في الاستقرار الإقليمي في ظلّ التقارب بينها وبين طهران، ولا سيما بعد تصاعد الصراعات في اليمن وحرب “إسرائيل” على غزة والتحوّلات في سوريا ولبنان.

أثبتت إيران قدرة على التكيّف مع العقوبات، وتخطّيها واستخدام العملات المشفّرة وهي اعتمدت على تعزيز الإنتاج المحلي الأمر الذي خفّف من تأثير العقوبات، لكنّ معدلات النمو بقيت منخفضة إضافة الى التضخّم، ومع ذلك، تمكّنت الجمهورية الإسلامية من مواصلة أنشطتها النووية.

السؤال الذي يطرح اليوم هل الولايات المتحدة مستعدّة لمواجهة الصين بشأن دعمها لإيران؟ وهل من المرجّح أن تقطع الصين شراكتها مع إيران؟ هذا الموضوع الاقتصادي مهم جداً لتحديد مستقبل العلاقة مع كلّ من الصين والولايات المتحدة وبين إيران والصين والولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى