ثقافية

الصورة في آخر المنعطف

45

علي هاشم المالكي

يحملها معه أينما ذَهــَبَ، تُرافِقهُ في الحدائقِ العامة والشوارع والمكتبات، وحين يفترش الإسفلت بانتظار الباص. أصدقاؤه قليلون، يعرف الكثير من الأشخاص، وقليل منهم يعرفونه، يسجل من خلالها أجمل اللحظات بأدق التفاصيل (كاميرته). معظم من يمرُّ بهم يومياً يعدّونه مجنوناً، سيجارته لا تفارقه، كل يوم يتوجه إلى ساحة التحرير، يلتقط الصور لنصب الحرية من كل الجوانب، ويصرخ بصوت مرتفع (عاش جواد سليم)! يضايقه المارة ببعدهم عن عدسته، يمازحه من يبتسطون الرصيف لكسب لقمة العيش، واحياناً يستهزئون به، لكنه يكتفي بالتقاط الصور للجميع من دون استثناء، واحتساء الشاي بنهم. يغادر متخفياً في الزحام، لا يعلم احد كم بلغ عدد الصور التي التقطها، ولا يعلم أحد ما اسمه انما يطلق عليه من يمرُ بهم كل صباح “المصور”..
دفعني الفضول لملاحقته، ربما اعرف عنه اكثر مما يعرف اصدقائي الباعة المتجولون. غصتُ خلفه بين الزحام، بعد وهلة وجدته يلتقط الصور فتابعته من دون ان ازعجه او اشعره بوجودي. همّ المصور أن يلتقط صورة لسيارة جديدة جداً جداً، فانتصب وسط الشارع بين السيارات وحدق بعدسته وانحنى عليها، فجأة اختطفته مقدمتها ورمته ارضاً. هرعت اليه، وجدته قد غادر الحياة سريعاً، بحثتُ في جيوب معطفه عن اسمه او عنوانه او أي هوية تعرّفني اياه، لم اجد سوى ورقة صغيرة. وعلى عجلٍ حمله الناس، تناولت كاميرته من على الرصيف، وقفت جانباً، فتحت الورقة فلم اجد سوى بيت شعر كتب بمداد أحمر:
لا تحقرن صغيراً في معاملة
إن البعوضة تدمي مقلة الاسد
وتحته توقيع “الصورة في آخر المنعطف”، ضغطت زر تشغيل الكاميرا، وجدتها فارغة من الصور إلا من صورة السيارة التي دهسته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى