إقتصادي

الفساد أشد خطراً على العراقيين من «داعش»

8

برغم انه لا يختلف اثنان حول الخطر الذي يشكله “داعش” على الشعب العراقي، فهو خطر يهدد بإبقاء العراق في دوامة من الفوضى الدموية، تقتل كل فرص الانطلاق أمام العراقيين نحو حياة حرة كريمة، وتضع مستقبل بلادهم ووحدته على كف عفريت، إلا ان هناك خطرا لا يقل عن خطر “داعش”، بل هو اشد خطورة، إلا وهو “الفساد” المالي والإداري المستشري في جسد الدولة العراقية. البعض قد يرى ان هناك مبالغة في جعل خطر “الفساد” يتجاوز خطر “داعش”، إلا اننا لا نرى اية مبالغة في هذه المقارنة، لسبب بسيط، وهو ان النتائج المترتبة على ظهور “داعش” وتدعياته، تحتاج الى زمن أطول ليصل العراق الى طريق اللاعودة، وعندها لن يكون بمقدور حتى الحلول “السحرية” على اعادة العراق الى عهده السابق، إلا ان نتائج “الفساد” وتداعياته على العراقيين، لا تحتاج الى وقت طويل لكي تفتك بالجسد العراقي. المتتبع لظاهرة الفساد المستشرية في العراق، والتي جعلت هذا البلد وحسب منظمة الشفافية العالمية، يحتل قعر قائمة الدول الفاسدة في العالم، يشعر بوجود ارادة خفية تعمل على الابقاء على هذه الظاهرة، وكأنها مقدسة، لا يجب المساس بها، فبرغم كل الفساد المستشري في العراق، لم يسجل على القضاء العراقي ان حاكم فاسدا، وإذا ما حصلت “معجزة”، ومثل احد الفاسدين أمام القضاء، فانه سيخرج من المحكمة أسرع من الضوء، حاملا شهادة ببراءته ليعود باندفاعه أكبر لممارسة الفساد. الشيء الذي غاب ويغيب عن اذهان النخب العراقية الوطنية والنزيهة، هو تداعيات ظاهرة الفساد على المدى القصير، فمن الواضح انه في حال وصل الفساد الى الحد الذي يحول العراقيين الى طبقتين، الاولى من الفاسدين والسراق والمترفين والمرفهين، والثانية هي جميع ابناء الشعب العراقي، ففي هذه الحالة سيكون الفاسدين كمن يمهد الارضية أمام عودة البعثيين والمجرمين الى الحكم مرة أخرى، وعلينا الا نستبعد فكرة قيام انقلاب عسكري في العراق، تستغل الجهات التي تقف وراءه حالة الاحباط والفقر والفساد المستشري في المجتمع، فنجاح مثل هذا الانقلاب لن يكون بسبب قوة القائمين عليه بل بسبب تقبل الناس لـ “المنقذ” مهما كانت طبيعته. عجز الحكومة في التصدي لظاهرة الفساد ومكافحتها، وعدم وجود ارادة سياسية بين النخب الحاكمة لمحاربتها، والفقر والبطالة والإحباط وانعدام الخدمات، كلها عوامل تؤكد بلسان الحال، ان لا علاج لظاهرة الفساد في العراق إلا بانقلاب عسكري يقلب الاوضاع رأسا على عقب، ولا نعتقد ان البسطاء من الناس والمتضررين والفقراء والمعدمين، سيعارضون مثل هذا الانقلاب أو يقفون ضده، مادام سيكون طوق النجاة الوحيد الذي سينقذهم من بحر الفساد والفقر والإحباط والمحسوبية. ليس هناك بين الاحزاب والسياسيين العراقيين، من له خبرة في الانقلابات والعمل في الغرف المظلمة، والقيام بالدسائس والمؤامرات ضد الشركاء في العملية السياسية مثل البعثيين، الذين دخلوا وبضغط أمريكي واضح الى العملية السياسية التي بدأت في العراق عام 2003 من اجل استئصالهم، لضربها من الداخل، فليس صدفة، ان يكون أكبر وأخطر الفاسدين في الحكومة العراقية هم من “البعثيين الحكوميين”، الذين استغلوا ابشع استغلال الاوضاع الاستثنائية والفوضى التي يعيشها العراق بسبب ممارسات رفاقهم “البعثيين الدواعش”، فجناحا البعث “الحكومي والداعشي” يعملان على تمهيد الارضية لإقناع العراقيين بفكرة الانقلاب كحل وحيد لمعالجة “سرطان الفساد”، بعد عجز كل الحلول الاخرى لاستئصاله، الامر الذي يفسر الحرب النفسية التي تشنها الفضائيات والإعلام الخليجي والبعثي الممول من ابنة المقبور رغد صدام، والتي تطبل ليل نهار لعهد الطاغية السفاح. للأسف تورط في الفساد بعض المحسوبين على الاحزاب والتنظيمات العراقية الوطنية، وللأسف ايضا ان هذه الاحزاب والتنظيمات ترى في فساد بعض الاشخاص المحسوبين عليها، حالة اضحت طبيعية وتحاول التستر عليهم أو حتى الدفاع عنهم، دون ان تدري ان هؤلاء الفاسدين يعملون وبشكل غير مباشر في صالح الاجندة البعثية، وعلى الضد من مصلحة احزابها وتنظيماتها. هذه الحقيقة التي لم ينتبه لها الكثيرون، كانت واضحة جدا للمرجعية الدينية العليا المتمثلة بسماحة السيد السيستاني، عندما اولى ظاهرة الفساد ومحاربتها أهمية كبرى، وحذر في أكثر من مناسبة وعبر خطب الجمعة الحكومة والمسؤولين من نتائجها وتداعياتها، واحتمال استغلالها من قبل المتربصين بالعراق والعراقيين من “البعثيين الدواعش والحكوميين”، فقد بات واضحا ان الفساد الذي يعاني منه العراق اليوم، وهو في جانب كبير منه صناعة “بعثية داعشية”، قد يتحول الى حصان طراودة لعودة البعثيين الى الحكم مرة أخرى، ولكن بلباس اخر، وهذا احتمال لا يجب ان نصفره أو نستبعده، لذا ليس أمام العراقيين الشرفاء في داخل الحكومة والدولة وخارجهما، إلا محاربة الفساد وبشكل جاد وحازم، كما دعت الى ذلك المرجعية والشعب في أكثر من مناسبة قبل فوات الاوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى