المثقفون الاسبان يناهضون الإبادة الجماعية في غزة

حرب الإبادة الجماعية بحق غزّة كان لها حضور في قلب المشهد الثقافي الإسباني، بين مثقّفين قرّروا عدم الامتثال للماكينة الإعلامية السائدة في الغرب وقول كلمة الحق، دفاعاً عن مبادئهم، حتى إن أدّى ذلك إلى بقائهم في الهامش، لذلك ساندوا الإنسان الفلسطيني.
وفي هذا السياق الثقافي والاجتماعي من المراجعات الذاتية لمفهومات الهوية التأريخية والذاتية الإسبانية وأشكال الاستعمار الفكرية والثقافية والإعلامية الجديدة، لم تكن من باب المصادقة المبادرة الثقافية والفنّية التي طرحها وزير الثقافة إرنست أورتاسون، خلال 2024، حول إنهاء مظاهر الاستعمار في المتاحف الإسبانية. أثارت نيّة الحكومة “مراجعة مجموعات المتاحف الوطنية للتغلّب على إطارها الاستعماري” جدلاً كبيراً في البلاد بين مؤيّد ومعارض.
لا تتعلّق هذه المبادرة بإجراءات تعويضية وإعادة القطع الفنّية التي استولت عليها إسبانيا إلى أماكنها الأصلية فحسب، بل إنّها عملية متعدّدة الأوجه، ويجب أن تبدأ بالاعتراف بأنّ هذه المتاحف أو المؤسّسات الثقافية قامت عضوياً على أساس أنّها تابعة للعقلية الاستعمارية، باعتبار أنّها تأسّست ككيانات ساعدت في خلق الخطابات الوطني.
هذه النظرة الإسبانية تجاه تأريخها الاستعماري دفعت العديد من الباحثين والمتخصّصين إلى الغوص في الجانب المظلم من خبايا الاستعمار الإسباني. ولعلّ كتاب “رمل في العيون: ذاكرة وصمت المستعمرات الإسبانية في المغرب والصحراء الغربية”، الذي صدر في صيف العام الماضي للباحثة لورا كاسييس كان من أبرز هذه المراجعات، وقد تناولت فيه الضرر التأريخي الذي لم يُصلَح بعد.
في مقابل هذا، وإذا ما أخذنا بالاعتبار التأريخ المشترك بين العرب وإسبانيا، والإرث الثقافي والحضاري والفنّي والمعماري واللغوي الذي تركه العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية، أمكن القول، إنّ حضور الأدب العربي في إسبانيا لا يزال خجولاً مقارنةً بالآداب الأوروبية الأُخرى، وهو في مجمله يقتصر على مبادرات فردية يقوم بها بعض المختصّين باللغة العربية والمترجمين منها، وأساتذة الدراسات العربية والإسلامية، إضافة إلى بعض المثقّفين العرب الموجودين في إسبانيا؛ وهي في الغالب مبادرات محدودة تتحرّك في دوائر ضيّقة لا تكاد تُشكّل ثقلاً في المشهد الثقافي الإسباني إلّا في ما ندر.
المفجع المبكي هو أنَّ المال العربي يمنح جوائز تسيل اللعاب لمؤسّسات ثقافية إسبانية لم تفعل شيئاً جوهرياً لخدمة الثقافة العربية، ما يزيد من هول المأساة هو التنافس الحاصل بين المؤسّسات العربية نفسها التي صارت تتسابق فيما بينها لمنح المؤسسة الإسبانية أية جائزة، في نوع بدا وكأنّه سباقٌ لشراء الذمم، لدرجة أنَّ هذه المؤسسات الإسبانية صارت تعرف كيف تُمنح هذه الجوائز وتقيم علاقاتها مع المال العربي على هذا الأساس.



