اراء

ماذا ينتظر الأعداء في السنة الجديدة؟

خالد شحام..

في مشهد مهيب، تصور كاميرا هاتف محمول من نافذة علوية، الطبيب حسام أبو صفية، وهو يمشي وحيدا في شق طولي عميق من خرابات غزة صوب المجهول، يبدو الرجل كأنه يتحرك في بطن الغول أو أحد وديان أورانوس المرعبة، غير خائف وغير مرتعد من الوحوش التي تربض على بعد عشرات الأمتار، يرتدي الرجل، المريول الأبيض الذي يصبح أيقونة للمقاومة، حيث تتحول في غزة كل الأشياء العادية إلى خوارق وتدخل باب الأساطير.

في مشهد آخر مع مساء غزة المنكوبة، ثمة طفلة صغيرة من جباليا الكبيرة تقف قرب جثامين أمها وأبيها وأخوانها وهي تبكي بفزع تقشعر له الأبدان من هول الفجيعة، لو علمت يا صغيرتي كم من ملك في السماوات همت به صرخاتك كي يخسف الأرض ويقلبها بنا جميعا، إلا أن يشاء الله ويرضى.

في مشهد ثالث، تصور الكاميرات المطر الغزير وهو يغرق خيام النازحين، يحاول المطر أن يتوارى حياءً وهو يبكي لكنه لم يستطع، في المشهد الرابع تسجل العواصم العربية رقمين قياسيين في موسوعة غينيس في عرض مذهل مبهر للألعاب النارية في ليلة رأس السنة احتفالا ببقائهم أحياءً لعام آخر، وفي المشهد الخامس ثمة صاروخ يمني الصنع يطوف السماء فوق يافا العروس، فتشرق الشمس على كل العرب وتتساقط كل المشاهد.

لم نعد نفهم ما الذي نتعامل معه في غزة؟ ما هو الشيء المقصود من قتل الأطفال والنساء وحرق الخيام بمن فيها؟ ما المقصود من قتل المسعفين والأطباء والصحافيين والمصورين وحرق المشافي؟ ما المقصود من تجويع الناس ومنع تدفق الأدوية وحليب الأطفال؟ هل هذا محتل كما نفهم الاحتلال في مفهومه التقليدي؟ هل نحن أمام مشروع تهجير وتفريغ للأرض؟ وإذا كان كذلك، فخطط التهجير سهلة وبسيطة في ظل تواطؤ كل الأنظمة العربية وجاهزيتها لكل الإملاءات الأمريكية وفتح كامل أراضيها لأي مشروع يطلبه الصهاينة، ولكننا سادتي لسنا أمام تهجير ولا مجرد احتلال ولا حتى عمليات إبادة كما مرت في التأريخ السابق، نحن أمام مشروع اسمه إبادة شاملة تعيد تعريف نفسها، هدفها قتل كل شيء ومحو كل شيء وكل الأدلة بالتمام والكمال.

ينظر الصهاينة إلى ما يحدث في غزة على أنه الإنجاز الأكبر والأهم في سيرة حياتهم، وعلى ضوء ذلك هنالك تطلعات كبرى متعددة تمشي بمعية بعضها البعض، فما هي هذه التطلعات المخصصة للعام الجديد؟.

  1. تدرك العقلية الأمريكية، أن جماعات المقاومة العربية نشأت بمعزل عن الأنظمة العربية الرسمية مما يجعلها ممثلة حقيقية للشعوب وإرادة المقاومة فيها، ومن هذا المنطلق تسعى كل العمليات العسكرية الصهيونية والسياسية التابعة لها إلى إعادة تعليب ظاهرة المقاومة ووضعها تحت وصاية الأنظمة وتربيطها بالقوانين والاتفاقيات، لأنها تدرك تماما استحالة القضاء على هذه الظاهرة بالقوة فقط.

2 إن الشعوب العربية هي المعنية تماما وكليا بكل الرسائل الصهيونية والتي تعرض نوعين من البضاعة أمام شعوب العرب، الصنف الأول هو الابادة والتدمير مقابل المقاومة، والصنف الثاني هو المعيش مقابل الخضوع والاستسلام وهذا النهج يتبلور تماما في سوريا الجديدة .

3 إن الطموح الصهيوني – الأمريكي في سوريا الجديدة، يقضي بتحويلها إلى دولة ذيلية تابعة خاضعة مثل حال معظم الدول العربية، كل التفاعلات الجارية في سوريا والتي تتضمن زيارات المسؤولين الخليجيين والأوروبيين الى الادارة المركبة، تؤكد معالم سوريا الجديدة التي يتم استيلادها وكل هذه الزيارات المنظورة تهدف الى هندسة المولود قبل طرحه خارج الرحم، وهو مولود مفصل على طريقة الأنظمة العربية التي تعيش لتأكل وتشرب وتخدم المشروع الاستعماري وفقا لمعادلة الغذاء مقابل البقاء، كل هذا لا يعني بأن الشعب السوري تجاوز الأزمة وبلغ بر الأمان حتى ضمن الوصفة الاولى، إن المصير المثالي في الضمير الاسرائيلي والأمريكي والغربي لسوريا هو الدولة الضعيفة المقسمة المتناحرة التي تتفق مع معايير الكيان الصهيوني لشبه دولة،  ومازالت كل السيناريوهات المرعبة قائمة جيدا وتنتظر الإطلاق وفقا لما تأتي به الأيام القادمة، الخطر الأكبر الذي يتربص شعب سوريا ليس فلول النظام ولا ايران ولا روسيا ولا تركيا  بل هي أمريكا والاتحاد الأوروبي والأنظمة العربية التابعة لهذا الفلك أولا وأخيرا.

4 يفترض الكيان الصهيوني ضمن استراتيجياته التي اتبعها وتحقيقه للضربات المؤلمة خاصة لحزب الله وطريقة سقوط النظام السوري، بأنه وفر الاستعراض الترهيبي السليم للأنظمة العربية القائمة وأرسل لها الرسائل الصحيحة حول نفوذه وسطوته، وهو يظن بأن ظفره في معركة غزة ولبنان وسوريا واليمن ستقود تلقائيا الى تسليمه منابع النفط والهيمنة على نموذج الاقتصاد العربي وحركة التجارة للمنطقة والاشراف على الممرات المائية والبرية والجوية بما يخدم الأجندات الأمريكية القادمة على المنطقة.

5 تمثل ايران القلعة الأخيرة في ضمير الإدارة الصهيونية – الامريكية التي يتوجب إسقاطها لإشهار الإعلان بالسيطرة المطلقة على المنطقة، يعتقد البعض بأن تلميحات الرئيس الأمريكي القادم حول رغبته في ايقاف الحروب وصراعه مع الدولة العميقة في أمريكا ربما يمنح بعض الأمل بإيقاف سيول الدماء وتصاعد الصراع في المنطقة، ومثل هذه الأفكار الساذجة لا محل لها من الإعراب في ظل مخطط مندفع بقوة تبينت معالمه تماما خلال العام المنقضي، ولا يمثل ترامب إلا وقودا سيضاف إلى النار المشتعلة، إن ايران على موعد مع حزمة جديدة من التهديدات والاستعدادات الخفية التي تجري على قدم وساق لمحاصرتها ووضعها تحت خيار التنازل والركوع أو نقل الحرب إلى قلب طهران، عام 25 سيكون ساخنا جدا وموضوع البرنامج النووي الإيراني مرشح بقوة وبأكبر احتمالية من أية مرة سابقة للتعرض إلى هجمات اسرائيلية – أمريكية – غربية وعربية .

6 يعتقد الكيان الصهيوني بأن نتائج طوفان الاقصى قد انتهت وآلت الى مكتسبات كبيرة لصالح الكيان بالقضاء على غزة وتهميش حزب الله وتخويف إيران والاطاحة بالتهديد السوري، كل هذا يتيح له إمكانية التفكير بكل الخيارات لغزة ومستقبل الاستيطان فيها، لكن الحقيقة، أن نتائج طوفان الاقصى لم تنتهِ بعد ولا أحد بمقدوره ان يحدد نقطة النهاية لهذا الحدث المزلزل .

نحن يا سادتي نواجه اليوم المعنى المحدث للإبادة الذي طورته الهمجية الأمريكية -الاسرائيلية – العربية اسمه الإبادة الشاملة، هل تذكرون مصطلح الحرب الشاملة الذي تحول الى ترند الكذب الامريكي الأكبر لإباحة دم العراق واحتلاله وتدميره؟ نحن الان نواجه النسخة الأحدث التي عنوانها الإبادة الشاملة، والإبادة الشاملة تعني قتل الإنسان بمطلق معناه، وقتل الأرض بما عليها، وقتل القيم الإنسانية التي أساسها شريعة الخالق، وقتل القوانين والأعراف التي وضعتها البشرية طيلة قرون، وقتل الكائنات الحية من البكتريا الى النبات والحيوان، وقتل النفوس القريبة والبعيدة وقتل الأمل ومعاني الحياة في عيون الشعوب العربية، الإبادة الشاملة يا سادتي تعني أيضا  قتل هيبة الموت والموتى والشهداء وانكسار الاستحياء من الأرواح التي تتزاحم في السماء ويحدث ذلك عندما يكون القتل جارياً في غزة فيما تتفرج دول العروبة وتتباهى بأضخم احتفالية لرأس السنة وتعقد أضخم المهرجانات وتقيم الأفراح والليالي الملاح فوق كل الجراح، كلهم بانتظار ترامب ليضيف للإبادة الشاملة محتويات جديدة ويعقد النصر لقومه، نتنياهو العبري ونتنياهو الفلسطيني ونتنياهو العربي وآخرهم الغربي سيأتي ترامب ليَقدُم قومه ويوردهم النار وبئس الورد المورود واتبعوا في هذه لعنة وفي الآخرة لعنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى