قمة نيروبي والمساعي الفرنسية لاستعادة النفوذ في أفريقيا

بقلم: جمال واكيم..
انتهت قبل أيام قليلة القمة الأفريقية – الفرنسية التي عُقدت في العاصمة الكينية نيروبي بعنوان “أفريقيا الى الأمام”، والتي شكلت محاولة فرنسية لترميم علاقاتها مع دول القارة السمراء بعد تراجع كبير في نفوذ باريس لصالح تصاعد النفوذ الأمريكي والروسي والصيني في إطار التنافس بين الغرب الجماعي بقيادة واشنطن والقوى الأوراسية على تعميق العلاقات مع الدول الأفريقية.
وقد كان لافتاً إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حزمة استثمارات موجّهة إلى الدول الأفريقية بقيمة 27 مليار دولار أمريكي بما يتجاوز البعد الاقتصادي ليركز على البعد الجيوسياسي للعلاقات الفرنسية مع الدول الأفريقية.
البعد الجيوسياسي لقمّة نيروبي
الجدير ذكره، أن القمة أتت بعد مرحلة تآكل كبير في النفوذ الفرنسي في القارة السمراء، خصوصاً في منطقة الساحل والصحراء بعد سلسلة انقلابات في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو أطاحت بأنظمة كانت تتبع للهيمنة الفرنسية، لتحل مكانها نخب أعلنت تمردها على هذه الهيمنة وسعت لتوثيق علاقاتها مع كل من روسيا والصين، ما حدا بالولايات المتحدة إلى التدخل المباشر في أفريقيا؛ خوفاً من أن يؤدي تراجع النفوذ الفرنسي إلى خروج القارة الأفريقية كلياً عن الطوع الغربي.
هذا ما جعل باريس ترعى القمة في نيروبي، والتي حاولت التركيز على التنمية والاستثمار كبديل عن سياسات الهيمنة التي اعتمدتها فرنسا في القارة السمراء عقب استقلال الدول الأفريقية خلال الستينيات من القرن الماضي.
وقد اكتسبت القمة في نيروبي أهمية خاصة إذ إنها جمعت للمرة الأولى القيادة الفرنسية بقادة دول أفريقية كانت سابقاً خاضعة للاستعمار البريطاني. هذا يعكس نحولاً في رؤية فرنسا تجاه العلاقة مع القارة السمراء ورغبة فرنسية في توسيع نفوذها خارج نطاق الفضاء الفرنكفوني، خصوصاً بعد تعرض نفوذها في كل من النيجر وتشاد ومالي وبروكينا فاسو لضربة قوية، والذي تجلى في سحبها لقواتها المرابطة في هذه البلدان بذريعة مكافحة الإرهاب.
وتحاول باريس تقديم نفسها كشريك موثوق اقتصادياً والابتعاد عن صورتها التقليدية كقوة استعمارية. هذا جعل ماكرون يركز في خطابه على أن العلاقة مع الدول الأفريقية هي علاقة بين متساويين، مشيراً إلى البعد التكاملي في العلاقة عبر تأكيده أن الأسواق الفرنسية ستكون مفتوحة للبضائع الأفريقية. هذا يعكس إدراكاً فرنسياً لحقيقة، أن الأجيال الأفريقية الجديدة باتت تتمرد على علاقات التبعية مع الغرب، وتطمح إلى إقامة علاقات مع مختلف القوى قائمة على الندية والاحترام المتبادل. هذا يفسر الحضور القوي لرجال الأعمال الفرنسيين والرؤساء التنفيذيين لكبريات الشركات الفرنسية مثل “اورانج” و”توتال انرجيز” وشركة الشحن الفرنسية “سي ام آه سي جي ام” التي تطمح إلى نيل عقد إدارة ميناء مومباسا.
العقبات من دون توثيق العلاقات الفرنسية – الأفريقية
على الرغم من المساعي الحثيثة التي تبذلها فرنسا لتعميق علاقاتها مع الدول الأفريقية، فإن عدداً كبيراً من المراقبين يشكك في قدرتها على النجاح في هذا المسعى، بناءً على التأريخ الاستعماري لفرنسا الذي لا يزال راسخاً في وجدان الأفارقة الذين ناضلوا طويلاً للتخلص من هيمنة قوى الاستعمار القديم.
وما يسهم في زيادة الشكوك الأفريقية تُجاه باريس هو قسوتها في قمع حركات التحرر الأفريقية من جهة ودعمها أنظمة فاسدة وتابعة لها بعد الاستقلال من جهة أخرى، فضلاً عن استغلالها لموارد الدول الأفريقية لعقود طويلة عبر هيمنة شركاتها التي كانت داعمة للأنظمة التابعة لها.
هذا جعل تصريحات ماكرون تواجه عاصفة من الجدل، خصوصاً حين حاول النأي عن إرث فرنسا الاستعماري بقوله إنه لا يمكن تحميل الاستعمار مسؤولية كامل مشاكل أفريقيا.
فالقادة الأفارقة الشباب يحمّلون الاستعمار مسؤولية دعم أنظمة هشة وفاسدة فاقمت من المشكلات التي ولّدها الإرث الاستعماري الأوروبي الذي بقي يستغل وينهب الموارد الأفريقية حتى بعد الاستقلال.
إضافة الى ذلك، فإن فرنسا قد تكون تأخرت في مسعاها لتعميق علاقاتها الأفريقية، إذ إن الصين وروسيا قد سبقتاها بأشواط في هذا المجال، عدا عن سعي الولايات المتحدة وحتى تركيا لتأكيد حضورها في القارة السمراء، وهو ما ينعكس حضوراً عسكرياً متزايداً لتركيا والولايات المتحدة في عدد من الدول الأفريقية، إضافة إلى وجود مستشارين عسكريين روس في عدد كبير من هذه الدول.
لذلك، فإن قمة نيروبي تشكل محاولة فرنسية لاستعادة حضورها في أفريقيا، لكن في ظل ظروف مغايرة تماماً عن تلك التي سادت في مرحلة الاستعمار وما تلاها من مرحلة هيمنة أوروبية في مرحلة الاستقلال.
فالقارة الأفريقية لم تعد مجرد ساحة نفوذ تقليدية للقوى الأوروبية، بل أصبحت لاعباً دولياً متنامي الأهمية يمتلك خيارات متعددة وشركاء متنوعين. ولذلك، فإن نجاح المبادرة الفرنسية سيعتمد على قدرة باريس على الانتقال فعلياً من منطق الوصاية التأريخية إلى منطق الشراكة المتكافئة، وعلى استعداد الدول الأفريقية لاستثمار هذه الفرص بما يخدم مصالحها التنموية والاستراتيجية، بعيداً عن التبعية القديمة بأشكالها المختلف.



