شركات الحقول النفطية تخلو من الأيدي العاملة العراقية

تضم “100” ألف عامل أجنبي
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في وقت يمرُ فيه العراق بأزمة مالية خانقة وارتفاعٍ متواصل بمعدلات البطالة، خصوصاً في المحافظات النفطية، يتصاعد الجدل الشعبي حول ملف العمالة الأجنبية داخل الحقول النفطية، بعد أن تحول هذا الملف إلى واحد من أبرز مظاهر الخلل الاقتصادي والإداري في إدارة الثروة النفطية، وسط اتهامات بضعف الرقابة وتهميش اليد العاملة العراقية لصالح شركات أجنبية تستنزف مليارات الدولارات سنوياً.
ورغم أن القوانين والتعليمات العراقية تنص بشكل واضح على أولوية تشغيل الأيدي العاملة العراقية بنسبة تتراوح بين 80 إلى 85 بالمئة ضمن عقود الشركات النفطية الأجنبية، إلا أن الواقع الميداني يعكس صورة مختلفة تماماً، حيث تشير تقديرات وتقارير ميدانية إلى وجود أكثر من 100 ألف عامل أجنبي يعملون في الحقول النفطية بمختلف المحافظات المنتجة للنفط، بينهم خبراء وفنيون وإداريون يشغلون مناصب عليا وتقنية ذات رواتب مرتفعة.
وبحسب مختصين بالشأن النفطي، فإن أغلب العراقيين العاملين داخل هذه الحقول يتم توظيفهم في أعمال خدمية أو وظائف محدودة التأثير، بينما تذهب المناصب الفنية والإدارية إلى العمالة الأجنبية، ما خلق فجوة واضحة في توزيع الامتيازات داخل القطاع النفطي، وأثار موجة استياء واسعة بين الشباب والخريجين، خصوصاً في محافظات البصرة وميسان وذي قار وكركوك، التي تعاني أصلاً نسبَ بطالة مرتفعة رغم أنها المصدر الرئيس للثروة النفطية في البلاد.
ويرى المختصون أن أحد أبرز أسباب استمرار هذه الأزمة يتمثل بعدم التزام الشركات الأجنبية ببنود العقود الخاصة بتدريب وتأهيل الكوادر العراقية، فمع أن أغلب العقود النفطية تتضمن شروطًا واضحة لنقل الخبرات وتدريب الخريجين العراقيين، إلا أن هذه البنود بقيت حبراً على ورق، ما أدى إلى استمرار الاعتماد على الأجانب بحجة نقص الخبرة الفنية لدى العراقيين.
وأشاروا الى أن العراق يمتلك آلاف الخريجين من اختصاصات الهندسة النفطية والكهربائية والميكانيكية والجيولوجيا والإدارة الصناعية، لكنهم يواجهون صعوبة كبيرة في دخول سوق العمل النفطي بسبب غياب برامج التدريب واحتكار الشركات الأجنبية للمفاصل الفنية المهمة.
ولفتوا إلى أن غياب الرقابة الحكومية الفاعلة ساهم بشكل مباشر في تضخم أعداد العمالة الأجنبية، إذ لا توجد حتى الآن إحصاءات دقيقة وشفافة حول أعداد العاملين الأجانب وتصنيفاتهم الوظيفية، بينما تعتمد الجهات الرسمية في كثير من الأحيان على البيانات التي تقدمها الشركات نفسها دون تدقيق ميداني صارم.
وحول هذا الموضوع طالب عضو مجلس النواب غالب محمد عبر لـ” المراقب العراقي ” ، وزارة النفط بتشكيل لجان ميدانية متخصصة تتولى مراجعة ملفات العاملين الأجانب داخل الحقول النفطية، والتدقيق في طبيعة وظائفهم وحاجة الشركات الفعلية إليهم، مع إلزام تلك الشركات بتنفيذ نسب التشغيل القانونية الخاصة بالعراقيين، وخصوصاً في الوظائف التي لا تتطلب خبرات نادرة.
وأضاف إن ” لهذا الملف أبعادا اقتصادية خطيرة، إذ تتحمل الدولة بشكل غير مباشر كلفا مالية كبيرة تشمل السكن والإقامة والنقل والمخصصات والبدلات النقدية للعاملين الأجانب، فضلًا عن تحويل قسم كبير من رواتبهم إلى خارج العراق بالعملة الصعبة، ما يشكل ضغطاً اضافياً على الاقتصاد المحلي في وقت يحتاج فيه البلد إلى الحفاظ على موارده المالية وتقليل نزيف العملة الأجنبية”.
وأكد محمد أن” معالجة هذا الملف تتطلب إرادة حكومية حقيقية تبدأ بإعادة تقييم عقود الشركات النفطية، وتفعيل بنود التدريب والتشغيل المحلي، وربط استمرار الشركات الأجنبية بمدى التزامها بتأهيل وتشغيل العراقيين، إضافة إلى إنشاء مراكز تدريب متخصصة داخل المحافظات النفطية تضمن إعداد كوادر قادرة على إدارة القطاع النفطي مستقبلاً”.
كما شدد النائب على ضرورة استضافة وزير النفط الجديد ومدير شركة ” سومو ” في البرلمان العراقي وبيان رؤيته حول الملف النفطي للسنين الأربع القادمة، وماهي الحلول التي سيعتمدها في ظل تعثر الإمدادات النفطية وكيفية الخروج من الازمة الراهنة.
في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار الاعتماد المفرط على الشركات الأجنبية والعمالة المستوردة لا يخلو من شبهات فساد ومصالح سياسية وحزبية متشابكة، تجعل من ملف العمالة الأجنبية قضية أعقد من مجرد حاجة فنية أو تقنية، خاصة مع وجود اتهامات بمنح امتيازات واسعة لبعض الشركات بعيداً عن معايير المصلحة الوطنية.



