ماذا يريدون منا وماذا نريد منهم؟

علي الزعتري..
ليست هي فلسفةً في السؤال و لا تهكماً بل سؤال يحتاج الجواب، ممن يعرف، عمَّاذا تريد الحكومات و الحكام من الشعوب العربية وماذا تريدُ الشعوب منهم. هذا لأن غالبية الرأي المُعلن على لسان الشعوب بشكلٍ عامٍ لا يفتأ ينتقد حكوماته ولا يُثني عليها إلا لماماً. ولأن الحكومات لا تستطيع بالطبع انتقاد شعوبها، فكيف تنتقد من تحكم وإن فعلت فتكون نزعت عن نفسها شرعيةً مطلوبةً مُعطاةً بحقٍّ أو مغصوبةً، فهيَ غالباً عندما تريد أن تُثَّبِتَ شرعيتها في الحكم، تحت مُسَمَّى أي نظام حكم، تُمعِنُ في قوننةِ حياة الشعب فهي تقيدهُ تارةً بالرسوم والضرائب التي تتجاوز القدرة والتعليمات المتضاربة التي تجعل من متابعة أموره نزاعاً مع بيروقراطيةٍ غير وُدِّيةً و قد تُفقِرهُ وتسدُّ عليه أبواب الرزق فيطير مهاجراً عن رزقٍ. وتشتتهُ تاراتً أُخرى باسم الإصلاح والبناء أو محاربة الفوضى أو حتى مقاتلته إن احتج و تظاهر بؤساً فيصبح المواطن طريد بلاده داخلها وخارجها. وبعضها يُحَوِّلُ الوطن من مأمنٍ للناس إلى مفسدةٍ تعيثُ بالثوابت خراباً وهدماً فتنتشر السبع الموبقات بالقانون جهاراً نهاراً و من يقف بوجهها ناقداً يلقى ما لا يُسرهُ. وبعضها يضع التزمت عنواناً لكنه يطبق قانون قريشٍ في العقوبة فيعفو عن الغني ويعاقب الفقير و يجدُ مبرراً لكل مسوءةٍ من عالٍ ويلعنُ جائعاً مُنِعَ من حقوقهِ. بلادنا المفتوحة للسياحة التي تأتي بالسمعة السياحية و بالمال كما تقول الحكومات تشرعن الانفتاح وهذا يحتاج لهدرِ الحياء والتضحية به حتى احتفلنا بأعياد الساحرات و ملاكمة النساء ومعارض الأزياء. أيضاً، ليس هذا تبسيطاً أو تسخيفاً للموضوع فهو كما هو وما نراه ونقرأ عنه. بلادنا كما تراها وتعيشها الشعوب تُغْرَقُ بيديها و من أفعالها في بِرَكٍ من الديون والبطالة والقهر المجتمعي والفقر والفساد والذل وقِلَّةِ الحياء باسم الانتماء العالمي والإصلاح والترفيه. بلى، ليس من مدينةٍ فاضلةٍ في العالم، لكن الحكومات العربية لا تسعى لوقف الإفساد إلا كان غريماً لسلطتها أو فيه من التهديد ما قد يشكل لها صعوبةً في الحكم الداخلي و التواجد الدولي، ولكن إن كان مؤاتياً للسلطة الحاكمة فمرحباً به و أهلاً. حتى تلك التي تقول بالتمسكِ بأهداب الخُلُقِ والوطنية منخورةٌ بالفساد والسرقات. تسعى الحكومات للبقاء طافيةً داخلياً بمزيج التلاعب بالعواطف التي غالباً ما تكون مبنيةً على تفرقةٍ بين الفئات والانحياز المتواتر للبعض دون الآخر ويتم هذا بالقانون المرسوم وتطبيقه الذي يخضع للإرادة الحاكمة. وتبقى طافيةً كذلك بالالتزام التحالفي مع قوىً خارجيةً تحميها. وكل هذا يراه الشعب وتكتب عنه الأقلام و ليست مبالغةً القول أن حكوماتنا تسيطر على أوطاننا بالشرعية التي اكتسبتها ثورةً أو توارُثاً لكنها لا تغفلُ عن وعيها أنها بالفعل تُديرُ مناطق نفوذ الاستعمار المعروف ولا تستطيع الابتعاد عنه حتى لو في صحوةٍ رغبت بذلك. وهذا هو المفتاح السحري لفهم الأمور. الاستعمار.
نحن الشعوب نعتقد خطأً أننا مواطنون بمواطن مستقلة بكل ما يحمله عنوان الاستقلال من استقلالٍ عن استعمارٍ بأنواعه. لا نُريدُ قواعد عسكرية ولا ديون تكسر ظهورنا لأجيال قادمة، و نريدُ جيوشاً تُخيفَ العدو (الصهيوني) ولا تكون مقتصرةً على الظهور في الاستعراضات. نريد معيشةً دون تسلطٍ فئوي من أي نوع مع عدالةٍ ماضيةً في الحكم لا يوقفها تخويفُ وتهديدَ جاهٌ أو إسمٌ. نريدُ من حكوماتنا و مجالسنا النيابية شورى حقيقةً تحولُ دون تمرير قوانين وتعليماتٍ تقسو علينا في حياتنا وتحترم كرامة الوطن وكرامتنا. لكننا نكتشف أننا غير ذلك، مع الرتوش التي تضعها الحكومات لتُخفِيَ الحقيقة، وهيهات! لم يترك الإنترنت ولا الصحافة الاستقصائية غميقةَ البحث ولا حتى تلك التي تلتزم الوسطية الحيادية مع انحرافةٍ لليمين شيئاً مخفياً. وضعنا فضائحي، بكل اختصارٍ و أَسى. هي تنشر عن عوراتنا التي لا يُخفيها مُنخُلٌ ولا أصابع الحكومات. فما من قصرٍ و لوحةٍ فنيةٍ وحسابٍ مخفيٍ في الكاريبي أو ليختنشتاين وعمولةٍ في صفقةٍ ولقاءٍ في خفيةٍ وبذخٍ في حفلٍ و فسيفساء صارخٍ بمدائنٍ واستهتارٍ بشعبٍ وعُنفٍ ضدهُ لا ينِمُّ إلا عن حقدٍ وسجونٍ سريةٍ بالقطعة خدمةً لهذا الجهاز الاستخباري وذاك و رٍشىً وراشٍ ومُرتشٍ وغيرها كثير إلا ونشرتها الصفحات وقرأها الشعب المسكين. ونكتشف أننا، مع بعض الاستثناءات في غزة والسودان، حقاً نعيش! فنحن نأكل ونشرب وننام ونصحو ونقود السيارات وتطير بنا الطائرات ونتعلم اللغات ونفهم ما هو الإتيكيت وكل ذلك في أمانٍ نسبيٍّ، لكننا مع هذا لا نملك أنفسنا وذلك الاستقلال الذي نريد. بل ربما نحسدُ الغزَّاوي الغريق بالدم والمطر والمقاوم. الاستعمار القديم المتجدد هو الذي يحكم والاستعمار الصهيوني هو مطرقتهُ ورصاصهُ وعقابهُ.



