اراء

طوفان الأقصى وسقوط النخب مرة أخرى

بقلم: د. معن علي المقابلة..

أثارت مشاهدُ شباب المقاومة الفلسطينية من حماس والجهاد الإسلامي في السابع من تشرين الأوّل عندما اقتحموا ما يُعرف بمستوطنات غلاف غزة وكيف استطاعوا أسْرَ وقتلَ أعدادٍ كبيرةٍ من جنود الجيش الصهيوني، وانتشارَ صُوَرٍ على نطاقٍ واسعٍ، وكيف استطاع هؤلاءُ الشباب إذلالَ هذا الجيش من خلال سَحْب الجنود الصهاينة من دباباتهم المصفحة بطريقة أذلتْ هذا الجيشَ أمامَ المُشاهد العربي والعالم وبالخصوص المُواطن الصهيوني الذي اعتاد أنْ يرى جيشَه في حالةِ انتصارٍ دائمٍ وأنّ جنديه هو الذي يَسحبُ الفلسطينيّ ويأسر أو يقتل الجنديّ العربي، أثارتْ هذه المشاهدُ انتشاءَ المواطن العربي بينما أرعبتْ المواطنَ الصهيوني، وهذا يفَسّرُ هذه الوحشيةَ التي يُمارسها ولا يزالُ جيشُ الكيان الصهيوني من قتْلٍ وتدميرٍ لمْ يَشْهدِ التأريخُ له مثيلًا، من أجْل الانتقام لهذه المشاهد ولترميم صورة الجيش والجنديّ الصهيونيّ أمامَ مُواطنيه .

هذه المشاهدُ والمباغتةُ التي قامتْ بها المقاومةُ، استطاعتْ في غُضون ساعاتٍ اقتحامَ تحصينات العدوّ المتطورة والتي كان البعضُ يقولُ إنّ هذه التحصيناتِ تستطيعُ كشْفَ ذبابةٍ إذا ما حاولتْ اختراقها، جعلتِ الكثيرَ من النُّخَب العربيّة من مُفكرين ومُحللين سواء ما يُطلقُ عليهم بالاستراتيجيين أو الأمنيين وما أكثرهم هذه الأيام ووصلَ الأمرُ بالشعراء، أنْ يدلوَ بدلوهم ويطلقوا على هذه الجولةِ من الصّراع مع العدوّ بأنّها بدايةُ التحرير بل وصلَ الأمرُ بالبعض بأنْ تحريرَ فلسطينَ من البحر إلى النهر أصبحَ مُمكناً، مُعتمدين على ما قامتْ به حركةُ المقاومة الإسلامية (حماس) وسائرُ الفصائلِ الفلسطينيةِ التي اشتركتْ في ما أُخذ يُعرف بطوفان الأقصى، وهذه مُغالطاتٌ وعدمُ فهْمٍ لطبيعةِ الصّراع مع هذا العدوّ.

لقد علّمنا التأريخُ أنّ حروبَ التحرير التي خاضتها الشعوبُ التي وقعتْ تحتَ الاحتلالِ بدأتْ منذ أنْ وطأتِ الجيوشُ الغازيةُ أراضيها، صحيح هناك مَحطاتٌ حاسمةٌ في هذه الحروب أدتْ إلى بدايةِ دحْرِ المُستعمرِ كما حدَثَ في الجزائر؛ إذْ يُعتبرُ الأوّلُ من آذار عام ١٩٥٤م التأريخ الحاسم في بداية حرب التحرير التي تمخّضَ عنها انسحابُ فرنسا من الجزائر وإعلان الاستقلال في التاسع عشر من تشرين ثانٍ من عام ١٩٦٢م، وهذا لا يَعني أنّ الشعبَ الجزائريّ لم يُقاومِ المُستعمر الفرنسيّ منذ أنْ وطأ أرضَ الجزائر سنة ١٨٣٠م إلى أنْ تتوجَ هذا الصراعُ باندحار العدوّ وخروجِهِ من الجزائر، وهذا ينسحبُ على الشّعْب العربيّ في المَشرق العربيّ إذ بدأ صراعُهُ مع المُستعمر الإنجليزيّ والفرنسيّ الذي رعى نشأةَ الكيانِ الصهيونيّ منذ بدايات القرن الماضي، وعندما بدأتْ تتوضحُ معالمُ المَشروع الغربيّ في زرْعِ هذا الجسمِ الغريبِ في قلْبِ العالمِ العربيّ بدأتْ بمُقاومتِهِ بعدّةِ أشكالٍ من خلال العشائرِ في شَمال الأردنّ وجنوبِ سورية وفلسطينَ التي خاضتْ معركةَ تلالِ الثعالبِ ضدَّ الإنجليزِ والمُستعمرات الصهيونية، لتبدأ المقاومةُ الفلسطينيةُ مُتصديةً للهجرة اليهودية لفلسطينَ ولتمتدَّ هذه المقاومةُ بعد قيام “دولة الكيان” بأشكالٍ متعددةٍ من التظاهرات السّلمية إلى الإضرابات إلى تشكيل مُنظمة التحرير الفلسطينية واعتماد المقاومة المُسلحة من خارج فلسطينَ إلى الانتفاضات العديدةِ التي خاضها الفلسطينيون في الداخل، وصولاً إلى اعتماد المُنظمات الفلسطينية خيارَ المقاومةِ المُسلحةِ وبالتحديد بعد تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي، وهذا تطوُّرٌ طبيعيٌّ للمقاومة والشواهد التأريخية عديدةٌ في هذا المجال .

عوْداً على بدءٍ، هل ما ذهبَ اليه الكثيرُ من النُّخَبِ والمُحللين أنّ ما حدثَ في السابع من تشرين أوّل ٢٠٢٣م هو فعلاً بداية التحرير لفلسطين من البحر للنهر، وأنّ هذا التحريرَ مُمكناً بفعْلِ المقاومة الفلسطينية بمختلف تشكيلاتها وتعبيراتها؟.

في اعتقادي إنّ هذا تصورٌ قاصرٌ وخادعٌ وهروبٌ من استحقاقٍ يقعُ على هذه النُّخَبِ ممّن يُطلقون على أنفسهم  مُحلّلين واستراتيجيين في الاشتباك الفعليّ في المقاومة التي لا تقتصرُ ساحتُها على الأرض الفلسطينية بل كلّ الأرض العربية، فإذا كانتْ فلسطينُ مُحتلةً من عصاباتٍ صهيونيةٍ جاء بها الغرْبُ وزرعَها في قلْب العالم العربيّ، فإنّ الأرضَ العربيةَ الممتدةَ من المُحيط للخليج مُحتلةٌ من نُظُمٍ مستبدةٍ؛ فالكيانُ والاستبدادُ وجهانٌ قبيحانٌ لعملةٍ واحدةٍ، هدفهما إبقاءَ الأمةِ في حالةِ تخلُّفٍ مُستمرٍ خدمةً للغرب الذي يرعاهما .وبما أنّ الكيانَ الصهيوني مشروع غربي هدفُهُ إضعاف المشرق العربي وجعله مُفككاً؛ لسهولة السيطرة عليه وعلى مقدراته والتحكُّم بعقد المواصلات التي يسيطر عليها بحكم موقعه الجيوسياسي، فإنّ تحريرَ المنطقة من المشروع الغربي لنْ يكونَ بمقدور الفلسطينيين وحدَهَم حتى وإنْ قدمتِ الدُّوَل المجاورة أو بعضُها مساعدةً للفلسطينيين فلن تفلحَ في ذلك، وخيرُ دليلٍ على ذلك طوفانُ الأقصى؛ فقد قدّمَ محورُ المقاومةِ ما يستطيعُ من مُساعدةٍ ومُساندةٍ وأحياناً انخراط في المواجهة، بحيث اشتركَ بشكلٍّ فعليّ في الدّفاعِ عن مَشروعه بكلّ الوسائلِ الماديةِ من خلال تقديم السّلاح بكلّ أنواعِهِ فقد سُخّرتْ حاملاتُ الطائراتِ والبوارجُ الغربيةُ؛ لمنع تدخُّل أيّة دولةٍ في الحرب، وتقديم المعلومات الاستخباراتية، ومن خلال الدعم الدبلوماسي والسياسي بحيث تمّ تعطيلُ مجلس الأمْن من خلال الفيتو الأمريكي الذي يُدين الحَرْبَ على غزةَ ويطلبُ بوقْفِ العُدوان وإجهاضِ التحرّك الشعبي في بلدانها، وشاهدنا كيف تم قمع التظاهرات والاحتجاجات في شوارع الغرب وجامعاته.

أخيراً وليس آخراً، بات واضحًا للعيان، أنّ الكيانَ الصهيونيّ مَشروعٌ غربيٌ هدفُهُ السيطرةُ على المنطقة ومقدراتها وابقائها في حالةِ ضَعْفٍ وتفكك، وعليه تحريرُ فلسطينَ لن يتمّ بيد الفلسطينيين وحدَهم بل من خلال مَشروعٍ عربيّ تتحررُ فيه الشعوبُ العربية أولاً من هذه الأنظمة المستبدة، وبناء مشروعها النهضوي، فإذا نجحتْ بذلك يكونُ نهاية المشروع الصهيونيّ تحصيلُ حاصلٍ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى