اخر الأخباراوراق المراقب

حديث الكساء بين القيمة السندية والمضامين العالية

صباح الصافي..

عن فاطمة الزهراء -عليها السلام- أنَّها قالت: “… قالَ الله عزَّ وجلَّ: يا مَلائِكَتِي وَيا سُكَّانَ سَماواتِي، إنِّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنِيَّةً وَلا أرضاً مَدحِيَّةً وَلا قَمَراً مُنِيراً وَلا شَمساً مُضِيئَةً وَلا فَلَكاً يَدُورُ وَلا بَحراً يَجرِي وَلا فُلكاً يَسرِي إلَّا فِي مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمسَةِ الَّذِينَ هُم تَحتَ الكِساءِ. فَقالَ الأمِينُ جبرائِيل: يا رَبِّ وَمَن تَحتَ الكِساءِ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: هُم أهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ، هُم فاطِمَةُ وَأبُوها وَبَعلُها وَبَنُوها”.

حديث الكساء الشَّريف من الأحاديث التي رويت عن مولاتنا الزهراء -عليها السلام- بعدَّة طرق، وهو مليء بالخيرات والبركات والفوائد العلمية والعقائدية والتَّأريخية، والحديث صحيح، مشهور، تناقلته المصادر الإسلامية المعتبرة لدى الفريقين، ولا يكاد أحد يشك في صدورِ هذا الحديث من الرَّسول الأعظم -صلى الله عليه وآله- بحقِّ أهلِ بيتهِ الطَّاهرين -عليهم السلام-، وقد بيَّن فيه -صلى الله عليه وآله- فضل أهل بيته -عليهم السلام؛ وهم: الإمام عليُّ بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء والإمام الحسن بن علي والإمام الحسين بن علي -عليهم السلام-.

وقد ذكر النَّبي -صلى الله عليه وآله- هذا الحديث حين جمع هؤلاء الصفوة تحت الكساء؛ ولذا سُمي هذا الحديث بحديث الكساء.

أمَّا نص الحديث من حيث اللفظ، فقد رُوِيَ بصيغٍ متعددة، لكن هذه الصيغ، وإن اختلفت من حيث اللفظ إلَّا إنَّها تتحد من حيث المعنى والمضمون، فكلُّها تُشير الى أنَّ النَّبي الأعظم -صلى الله عليه وآله- أراد تطبيق آية التطهير على هؤلاء النُّخبة، كما أراد التأكيد على أنَّهم هم المقصودون من أهل البيت في آية التَّطهير، لا غيرهم.

لقد تناولَ المسلمون جميعاً، الحدث الذي قام به النَّبي الأعظم -محمَّد صلى الله عليه وآله- بينه وبين أهل بيته -عليهم السلام- باهتمام بالغ، وتداولوه فيما بينهم كحدث قام به رسول الله -صلى الله عليه وآله-، فالواقعة بما هي واقعة مشهورة بين المسلمين متفق على روايتها.

ولعل المتتبِّع للروايات الموجودة في كتب المسلمين يرى، أنَّ هذه الواقعة حدثت أكثر من مرَّة؛ لأنَّ الكيفيات التي روي بها هذا الحديث مختلفة، مما يشير الى تعدُّد هذا الفعل من رسول الله -صلى الله عليه وآله- لأهل بيته -عليهم السلام-؛ تأكيداً لمؤدَّاه ووصول هذا التَّأكيد للأمَّة، وقد ذهب بعضُ علماء العامَّة كذلكَ الى تكرار هذا الفعل، وأنَّ النَّبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- قام بهذا الفعل أكثر من مرَّة؛ ولهذا من يتوقف في قبول هذا الحديث كواقعة حصلت من رسول الله -صلى الله عليه وآله- في حقِّ أهل بيته -عليهم السلام- فقد أنكر رواية تصنَّف أنَّها من المتواترات؛ إذ رواها نحو ثلاثين شخصاً، من بينهم خمسة من المعصومين، وهنا يثار الشَّك في تسليم المنكر وقبوله بأفعال رسول الله -صلى الله عليه وآله-؛ ولذلك عليه أن يعيدَ حساباته في علاقته مع رسول الله -صلى الله عليه وآله-، ومن ثمَّ علاقته بربِّه -تبارك وتعالى-.

كما يحتوي هذا الحديثُ الشَّريفُ على مضامين عالية ورفيعة، تتميزُ بالعمق وتفتح آفاقًا عقائدية واسعة، وهذه المضامين والدرر تُعدُّ من الثروات الثَّمينة في مجال المعارف الإلهية، وسنركز على مضمون واحد فقط، على الرغم من كثرة المضامين، وذلك لإبراز هذا الثَّراء الضَّخم الذي نمتلكه في تراث أهل البيت -عليهم السلام-؛ لنستفيد منه في جميع نواحي الحياة.

ركَّز هذا الحديث على مطلب عقائدي رائع الى أبعد الحدود، حيث جاء في حديث الكساء:” فَقالَ الله عزَّ وجلَّ: يا مَلائِكَتِي وَيا سُكَّانَ سَماواتِي، إنِّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنِيَّةً وَلا أرضاً مَدحِيَّةً وَلا قَمَراً مُنِيراً وَلا شَمساً مُضِيئَةً وَلا فَلَكاً يَدُورُ وَلا بَحراً يَجرِي وَلا فُلكاً يَسرِي إلَّا فِي مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمسَةِ الَّذِينَ هُم تَحتَ الكِساءِ. فَقالَ الأمِينُ جبرائِيل: “يا رَبِّ وَمَن تَحتَ الكِساءِ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: “هُم أهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ، هُم فاطِمَةُ وَأبُوها وَبَعلُها وَبَنُوها”.

وقبل أن نتناولَ الآراء التي قيلت حول هذا المقطع، لا بُدَّ من الإشارة إلى مطلب مهم ألا وهو أنَّ هذا المضمون لا يوجد فقط في هذه المقطوعة من حديث الكساء، بل هو موجود في مضامين روايات أخرى رويت عن النبي –صلى الله عليه وآله- وأهل بيته -عليهم السلام-؛ فعن أبي الحسن الرضا -عليه السلام- عن آبائه عن أمير المؤمنين -عليه السلام- قال: “قال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: “ما خلق الله خلقاً أفضل منِّي، ولا أكرم عليه منِّي، يا علي لولا نحنُ ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنَّة ولا النَّار ولا الأنبياء ولا الملائكة”.

ولهذه الرواية وغيرها، فقد أشار الشيخ الصدوق -رضوان الله تعالى عليه- في كتاب الاعتقادات إلى هذه الحقيقة، حيث قال: “ويجب أن نعتقد أنَّ الله تعالى لم يخلق خلقًا أفضل من محمَّد والأئمة، وأنَّهم أحب الخلق إلى الله، وأكرمهم عليه، وأولهم إقرارًا به لما أخذ الله ميثاق النبيين (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ) وأنَّ الله تعالى بعث نبيه محمدًا -صلى الله عليه وآله- إلى الأنبياء في الذر، وأنَّ الله تعالى أعطى ما أعطى كلَّ نبي على قدر معرفته نبينا، وسبقه إلى الإقرار به. وأنَّ الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته “عليهم السلام” وأنّه لولاهم لما خلق الله السماء والأرض، ولا الجنَّة ولا النَّار، ولا آدم ولا حواء، ولا الملائكة ولا شيئًا مما خلق”، وهذه الحقيقة تلقَّاها علماؤنا بالقبول؛ لأنَّها واردة كمضمون في العديد من الروايات عن أهل البيت -عليهم السلام-، وقد تكررت في مصادر كثيرة مما يثبت صحتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى