اراء

فرحة العبيد والتتار.. سوريا بين احتلالين في الشمال والجنوب

بقلم: إدريس هاني..

هناك خلل في تدبير مفهوم الانتصار ومفهوم الهزيمة، الذي انتصر في هذه المعركة هو الامبريالية ومحاورها، لا يتعلق الأمر هنا بانتصار حركة العبيد المدعومة بمخطط إمبريالي دولي صمدت فيه سوريا نحو 13 سنة، مخطط يصعب ان تتحمل كلفته سوريا وحدها.

نتائج هذا الانسحاب الذي مازالت تحوم حوله التساؤلات من سائر الأطراف ستكون وخيمة على المنطقة، حتى تركيا التي كان لها الدور الكبير في إعادة تأهيل الفصائل المسلحة، ستكتوي بنارها كما ستكتوي بقسد، أما الأمن القومي العربي لا سيما الدول المحيطة بسوريا، فهو مُعرّض لمخاطر وتهديدات قيام جماعات مسلحة تشبه طالبان في تغيير خطابها، لكنها لن تسلم سلاحها لأي طرف، وهو ما يعني اقتتالا داميا بين الفصائل، أليس هذا تماما ما حدث في أفغانستان، ثم سرعان ما امتد إلى الحادي عشر من سبتمبر؟ ما هو مصير الأردن، مصر، لبنان، العراق، بل حتى آسيا الوسطى بعد عودة الفصائل الأوزبكية والطاجيكية والشيشانية وغيرها، لن تنتهي الأمور إلى هنا، فلقد كان التفسير الأقرب للإقناع هو أن الانسحاب الغريب جاء على إثر تفاهمات كبرى وعلى حافة مخطط كان يسعى إلى حمام دم كبير وتدمير لسوريا. فالاحتلال بدأ يتهيأ للاستفراد بسوريا، وهو يعلم أن مشروع شرق أوسط جديد بشروطه الإمبريالية يتوقف على إغراق سوريا بمزيد من الدم والخراب، لم يكن أمام سوريا سوى تقبل جرعة التنحي، تفاديا لما هو أسوأ على الشعب السوري، وذلك بعد أن استغل خصوم سوريا تداعيات الوضع في المنطقة، لإكمال المؤامرة.

في منطق الحرب، وواحدة من قواعد سان تزو، لا تحارب حين تكون على يقين من عدم ربح الحرب. ولقد أدرك النظام السوري هذه الحقيقة مع إخلاء الحلفاء لمواقعهم، حيث باتت سوريا محاصرة بالاحتلال التركي والأمريكي في الشمال الشرقي والغربي، والاحتلال الإسرائيلي بالجنوب، والفصائل المسلحة المحمية، وفي ظل تراجع دراماتيكي للاقتصاد واستنزاف كبير للجيش.

اليوم تبدو فرحة العبيد عالية، حيث تم استغلال محور أنهكته المعركة الكبرى مع الاحتلال، وبينما كنا نتساءل: أين صوت تلك الجماعات في هذا المفصل الخطير من معركة الأمة؟ تبين أنها في الوقت الذي كانت قوى الإسناد منهمكة في مواجهة الاحتلال، وقدمت للمقاومة كل ما لديها من امكانات، بل حتى قياداتها ارتقت شهيدة في هذه المعركة، كانت الجماعات المسلحة بإسناد من تركيا واستنزاف من الاحتلال ومباركة دولية وتفاهمات تتجاوز القوة السورية المنهكة، كانت تستعيد دورها للهجوم، بعد أن انتهك أسيادها كل الاتفاقات بما فيها مخرجات أستانة.

إن من يتحدث عن انتصار بالمعنى الثوري للعبارة، يسعى لصباغة النكسة بالمفاهيم الكبرى، فالمطلوب من الثورات التحررية والمتحررة أولا وقبل كل شيء، أن تتحرر من شروط المخطط الامبريالي للمنطقة، فلقد استهتر العبيد بهذا المخطط، وحتما سيدركون مآلاته في القادم من الزمن الموضوعي للهزيمة الناعمة التي أخذت في ذهن العبيد صورة انتصار.

لقد ثأرت الرجعية والمحاور الوظيفية وبقرار إمبريالي كبير من القلعة السورية الصامدة، والمرشحة اليوم بقيادة سليل القاعدة، أن تصبح لقمة سائغة للتطرفات، وما كان للعبيد أن يفرحوا بهذه الخيانة وهم أدوات تتكامل موضوعيا وذاتيا مع الاحتلال وتتحرك في سياق انجازاته.

ليس الأسد من انهزم، بل هذه هزيمة أمة ستكون لها عواقب كبيرة ومنها:

هل تحسب محاور الحرب على سوريا أنها ستحصل على كعكة داخل سوريا؟ ثمة ما ينتظرها إذن في تداعيات استراتيجيا الأواني المستطرقة.

هل تحسب تلك المحاور أنها ضمنت مصيرها، وأنها ستظل بمنأى عن الخضوع لشروط الامبريالية في التحكم والتقسيم؟.

هل ثمة ضامن أن لا تسقط سوريا في حرب أهلية وأنها ستحافظ على سيادتها، أم أنها ستعيش زمن الوصاية العثمانية الجديدة، والزمن الصهيوني في سوريا الجديدة؟.

بئس ثورة يفرح بها العبيد وإخوان العبيد، كعادتهم سيفرحون قبل اندلاع الحروب الأهلية، لأن الذي يحركهم هو الحقد والعمالة والهزيمة وليس المبدأ. الاختبار الأعظم اليوم ليس شهر عسل دخول دمشق على دبابة عصمللية، بل الاختبار هو هل تسمح فصائل القاعدة والإخوان للشعب بالتعبير عن إرادته الحرة وعن السلم المجتمعي، فأما السلطة فقد تنازل عنها الأسد، فهل يزهدون فيها؟.

ستبقى صورة سوريا التي صمدت صمودا اسطوريا طيلة أزيد من عقد من الزمن، لكن الذين سقطوا هم الذين سقطوا في خياراتهم، هم من وضعوا أنفسهم قوى وجماعات وظيفية في إقليم يتعرض لحرب وجودية. هي إذن مفخرة العبيد لا مفخرة الأحرار، سيتركهم الأسد بالفعل لمزبلة التأريخ التي تنتظرهم كجماعات ستفتح شهيتها على السلطة حتى السكر، لتنشب فوضى الاقتتال بينها، مهما حاولوا ضخها بمارشال رجعي مشروط، سيرتاح الأسد من هذا الغم، لأنه اختاره حقنا للدماء والخراب الآتيين، وذلك كما ارتاح من ارتقوا شهداءً كي لا يروا قيام شرق أوسط جديد، معالمه باتت واضحة، الشعوب بمثابة عبيد الحقل، والعملاء بمثابة عبيد المنزل، الهجوم الكبير على المنطقة، اقتضى تضحيات كبيرة من داخل المقاومة، وها هي سوريا تدفع ضريبة الموقف والتضحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى