لا تتوهم في عالم الوهم

منهل عبد الأمير المرشدي..
جاء في معاجم اللغة، إن معنى كلمة الوهم، هو صورةٌ ذهنيّةٌ مركَّبةٌ ليس لها ما يُطابِقُها في الخارج ومجموعها أَوْهام، وتعني ظّن الشيء أو تخيله فيما هو بعيد عن حقيقته، نحن اليوم غدونا نعيش في عالم الوهم الى حد بعيد وبنسب تفوق حد التصّور، أمسى علينا أن نتيقن قبل ان نتوهم.. بيت القصيد في مقالنا لا يمت بصلة إلى تداعيات الذكاء الاصطناعي أو الخدع الإلكترونية أو تفشي ظاهرة الابتزاز والاحتيال في وسائل التواصل الاجتماعي، فذلك موضوع يحتاج الى مساحة مستقلة من البحث، إنما نتحدث عن بشر مثلنا ومن ابناء جلدتنا، نعيش معهم أو نتواصل واياهم، وتربطنا بالكثير منهم علاقة مودة واحترام. لقد ارتبكت الصورة علينا ما بين المتقّين وادعياء التقوى والمثقفين والمستثقفين وأشباه المثقفين، وما بين الساسة وأشباه الساسة والرجال وأشباه الرجال، وما بين من يطل علينا بصفة المحللين السياسيين ولا يصلح بعضهم حتى لتحليل قطرة إدرار في المختبر، بل حتى بين المشايخ المحترمين.. ما بين المسترجلين والمستخنثين والمتحولين وهلم جراً.. صار علينا لزاماً أن نتيقّن من كل شيء، كي لا تختلط علينا الأمور، ونكون صرعى الوهم ما بين الجد والهزل والحق والباطل والشيء واللا شيء. ما بين الصدق وما بين الزيف ليس كل ما نراه هو الحق وليس كل ما نسمعه يمت للحقيقة بصلة، هذا لا يعني إن علينا أن نكذّب كل ما نرى أو نسمع، لكن التحري والتأكد والدليل والبرهان صار بحكم الوجوب على من ينشد الطمأنينة في ماهية من يتعامل معهم قبل أن يحكم عليهم، كم من متحدث بلسان حال العفّة والنزاهة والشرف، فنكتشف إنه في حقيقته أنجس من عين النجاسة، لص وضيع أو مختلس منافق بامتياز، جمع ثروته من السحت الحرام.. كم من صادح بالصوت العالي عن الوطنية والمواطن والوطن، ونكتشف إنه عميل خائن مبيوع من رأسه حتى قدميه، كم من زعيم لا يمت لفحوى الزعامة بصلة من بعيد أو قريب، إنما هو قرقوز مأجور يتحرك وفق إيعاز الكونترول من خلف الحدود، كم ممن يدعي القيادة ويطبل له قطعان المطبلين من الهمج الرعاع، وفي الحق والحقيقة هو لا يصلح أن يكون راعياً في معزتين وشاة، كم من سياسي من أدعياء السياسة وأشباه الساسة، لا يعرف ولا يعلم شيئاً عن ألف باء السياسة! حتى معالم الثقافة فلم تعد دواعيها تدعو للطمأنينة في أشباه المثقفين وكثرة المستثقفين ما بين رسّام يجيد رسم لوحة في عقل جامد محدود في إطار لوحته، لا يفهم ولا يدرك شيئاً من حقيقة ما حوله أو شاعر ينظم الحروف ويرتّب القوافي صدراً على عجز من دون ان تلامس قصيدته شغاف قلب من يقرأها أو وجدان المتلقي أو حتى مشاعر من يكتبها. كم من جميل في ظاهر الشكل، قبيح في حقيقة الجوهر، ناهيك عمن نتوهم بجمالهم في عالم النساء بما انتجت لنا صالات العمليات من تقليم الأنوف ونفخ الشفاه وتدبيب الخدود وتلوين العيون وشفط الكروش ومن الفلر الى البوتوكس، تشابهت النساء وكأنها مطبوعة كوبي بيست مع كل إجلالنا واحترامنا للقوارير الجميلات حلوات الخلق والخلقة والروح والنفس والشكل، والاحترام موصول لكل الأساتذة والزملاء والنخب الفكرية الذين لهم في عرش الوجدان كل تقدير واحترام.. انما هي نصيحة لنا، كي لا نتوهم والسلام.



