الاتفاق الأمريكي-الإيراني.. حين تكتشف تل أبيب حدود القوة

بقلم: د. شهاب المكاحلة..
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تبدو إسرائيل كأنها تواجه معضلة استراتيجية حقيقية لا يمكن حلها بالقوة العسكرية وحدها. فالاتفاق الأمريكي-الإيراني الذي أنهى جولة المواجهة الأخيرة بين الطرفين لم يُستقبل في تل أبيب باعتباره إنجازاً دبلوماسياً، بل كإعلان غير مباشر عن حدود النفوذ الإسرائيلي وحدود القدرة على فرض الإرادة السياسية على واشنطن.
ردود الفعل الإسرائيلية لم تترك مجالاً للشك. من المعارضة إلى أركان الحكومة، ارتفعت أصوات تتحدث عن “اتفاق سيئ”، وعن “فرصة ضائعة”، وعن فجوة واسعة بين شعارات “النصر الكامل” التي رفعتها حكومة بنيامين نتنياهو وبين النتائج الفعلية التي أفرزتها الحرب. واللافت أن الانتقادات لم تصدر فقط عن خصوم نتنياهو التقليديين، بل شملت شخصيات أمنية وعسكرية كانت في السابق من أكثر المؤيدين لسياسة المواجهة مع إيران.
تكمن المشكلة الإسرائيلية الأساسية في أن الحرب انتهت دون تحقيق الأهداف الكبرى التي رُسمت لها. لم يسقط النظام الإيراني، ولم يتم تفكيك البرنامج النووي بشكل نهائي، ولم تنهَر شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران على مدى عقود. بل على العكس، خرجت إيران من المواجهة محتفظة بمعظم عناصر قوتها الأساسية، بينما وجدت إسرائيل نفسها مضطرة للقبول بتسوية صاغتها واشنطن وفقاً لمصالحها الاستراتيجية وليس وفقاً للرؤية الإسرائيلية.
هذا الواقع يعيد إلى الأذهان ما كتبه بعض المحللين الإسرائيليين الذين قارنوا الوضع الحالي بأزمة السويس عام 1956، عندما اعتقدت إسرائيل أن تحالفها مع القوى الكبرى سيمنحها حرية الحركة المطلقة، قبل أن تكتشف أن الدول الكبرى تتصرف وفق مصالحها الخاصة لا وفق مصالح حلفائها. واليوم يتكرر المشهد بصورة مختلفة؛ فواشنطن تنظر إلى استقرار أسواق الطاقة العالمية، وإلى تجنب حرب إقليمية واسعة، وإلى إدارة التنافس الدولي مع الصين وروسيا، باعتبارها أولويات تتقدم على الحسابات الإسرائيلية الضيقة.
لكن الخسارة الإسرائيلية لا تقتصر على الساحة الإيرانية. فلبنان أصبح ساحة التعويض المحتملة. هناك إدراك متزايد داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية بأن ما تعذر تحقيقه ضد إيران قد يُعاد السعي إليه عبر الضغط المستمر على حزب الله والبيئة اللبنانية. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بوجود عسكري في جنوب لبنان رغم الحديث عن ترتيبات وقف إطلاق النار.
غير أن هذه الاستراتيجية تواجه بدورها عقبات معقدة. فلبنان اليوم ليس لبنان الذي عرفته إسرائيل في العقود السابقة. التوازنات الداخلية تغيرت، والواقع الإقليمي تغير، وحتى الموقف الأمريكي لم يعد يمنح تل أبيب هامش الحركة المفتوح الذي اعتادت عليه. كما أن أي محاولة لتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة احتلال دائم ستُبقي إسرائيل في حالة استنزاف أمني وعسكري مستمر، وهي معادلة أثبت التأريخ أنها لا تخدم المصالح الإسرائيلية على المدى الطويل.
في المقابل، تواجه إيران أيضاً تحديات اقتصادية تجعلها أقل ميلاً إلى الانخراط في مواجهة مفتوحة جديدة. فطهران تبدو أكثر اهتماماً بتثبيت نتائج الاتفاق واستعادة الاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي من الدخول في دورة جديدة من التصعيد العسكري. ولهذا فإنها قد تفضل في المرحلة المقبلة إدارة الصراع عبر أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي بدلاً من المواجهة المباشرة.
النتيجة الأهم التي أفرزتها الأزمة الأخيرة هي أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها فكرة الحسم العسكري لصالح منطق التوازنات والتسويات. فالحرب الأخيرة أظهرت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل المنطقة وفق رغبات طرف واحد. كما أظهرت أن الولايات المتحدة، رغم استمرار دعمها لإسرائيل، لم تعد مستعدة لمنحها تفويضاً مفتوحاً لإدارة الصراعات الإقليمية.
لقد اعتادت إسرائيل خلال العقود الماضية العمل من موقع التفوق المطلق. أما اليوم فهي تكتشف أن ميزان القوى لم يعد يُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل بقدرة الدول على بناء التحالفات، وإدارة الأزمات، وفهم التحولات الجيوسياسية الكبرى. وفي هذا السياق، قد يكون الاتفاق الأمريكي–الإيراني أكثر من مجرد تسوية مؤقتة؛ فقد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تُرسم فيها خرائط النفوذ الإقليمي وفق قواعد مختلفة تماماً عن تلك التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.



