سمات الشخصية القيادية

تشترك في تكوين الشخصية القيادية، عوامل عديدة، لكن أهمها تلك التي تُستمَد من جانبين هما، الجانب الوراثي، والثاني الجانب الخبروي الحياتي المكتسَب، أو ما يطلق عليه باكتساب الخبرات القيادية عبر خوض التجارب والتعلّم، فيشترك هذان الجانبان في تشكيل الشخصية القيادية، وفي حال حدث الانسجام المطلوب بين (الخبروي) و (الوراثي)، فإن الشخصية القيادية سوف تكون في أفضل حالاتها، وتعطي أفضل النتائج.
هذه السمات العامة نجدها بشكل دائم في الشخصية القيادية، وهي في الغالب شخصية مختلفة عن غيرها، أما إذا تشابهت مع الناس العاديين، فلا يمكن أن نطلق عليها شخصية قيادية، لأن الشخص العادي يفتقد لمزايا وسمات القيادة، مثل المبادرة، والإقدام، والصبر، والحكمة، وموازنة الأمور، والحسم إذا كان مطلوبا، هذه الصفات قلّما نجدها في الشخصيات غير القيادية، وهذا بالضبط الفارق الكبير بين العادي والقيادي.
هناك مسألة في غاية الأهمية لا بدَّ من الانتباه إليها، فالشخصية القيادية تختلف في إدارة الأمور في حالتيّ الوضع المستقر والأزمات، ففي الظروف العادية يتعامل الشخص القيادي بطريقة مختلفة عن التصرف الذي يسلكه في أيام الأزمات، وفي الغالب لابد من توفر صفات وحالات سلوكية معينة يجب أن تكون موجودة في الشخصية القيادية.
ويجب أن يكون القيادي ذا رأي واضح، غير متذبذب، ولا غامض، يميل إلى الوضوح والثبات والدقة، على عكس ما يعتمده قادة العالم اليوم، حيث يميل معظمهم إلى الغموض وعدم وضوح الموقف، بل يرى الكثير منهم أن المكاشفة تعني وجود خلل في شخصية القائد، فينتهج حكام الغرب مثلا المنهج البراغماتي في التعامل مع الآخرين، حيث يكون القائد مستعداً لتغيير رأيه وموقفه تبعاً للمصلحة التي يبحث عنها ويريد تحقيقها.
بماذا يتميز الشخص القيادي؟
لذا فإن مقاييس النجاح في القيادة باتت مختلفة اليوم، وقد يكون الغموض والتحايل والتلاعب بالآخرين من عوامل نجاح القادة في سياسات اليوم عبر العالم، وهذا يحدث بسبب غياب أو انعدام الجانب الأخلاقي في العلاقات والتعاملات السياسية، لدرجة أننا يمكن أن نقول بأن السياسة في عالم اليوم باتت خالية من الأخلاق أو أنها ضعيفة جدا.
لكن هذا لا يعني أن ساسة اليوم على حق، أو أنهم على صواب، فالسياسة لكي تحقق أهدافها الصحيحة بإنصاف وعدالة، يجب أن تخلو من التلاعب، ويجب أن تقوم على مرتكزات أخلاقية يتفق عليها الجميع، كما هو معلن بالنسبة لبنود حقوق الإنسان، والتعامل الإنساني في الحروب، من هناك نلاحظ وجود أصوات عالية تنادي بعودة السياسة إلى الأخلاق، وهذا يعني أن الشخصية القيادية يجب أن تعتمد الأخلاق في قراراتها وعلاقاتها وأهدافها.
من السمات الأخرى التي يجب أن نجدها في الشخص القيادي هي (المرونة مع الثبات في السير نحو الهدف) وهذا يؤكد قضية الأخلاق وعدم التلاعب والغموض، فلا يصح أن يفتقد القائد قضية الثبات، لكنه يجب أن يتحلى بشيء من المرونة والتوازن وعدم التصلب في الأمور والمواقف التي من الممكن تخفيف الثبات عليها في بعض الأحيان، خاصة إذا كان الجوهر باقيا كما هو، لا يمسه جانب المرونة بشيء.
وهذا يعني اعتماد القائد لمبدأ (التوسُّط بين الإفراط والتفريط). فلا زيادة مفرطة، ولا تهرّب أو رفض لمطلب مناسب وصحيح، الوسطية هي الحل في هذا المجال، ولكن ليس على حساب المبدأ، المهم في هذا المجال هو الاعتدال والتوازن وحفظ حقوق الأطراف المتشاركة في حل قضية أو معضلة معينة محل خلاف فيما بينهم.
وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه ما لم تتوفر القيادة ذات: (الأفُق الواسع، والنظرة الشاملة) كما يصفها الإمام الشيرازي، ويطلق عليها وصف (ثبات الشخصيّة وعدم الترجرج) التي تتحلى بـ(الصبر والنّفَس الطويل).
النظرة الشاملة عند القيادي تعني في الوقت نفسه أنه يتحلى بالأفق الواسع وبعد النظر، والتحلي بالحس الاستراتيجي، ولا يقصر تفكيره بالنظرة القصيرة والرؤية الآنية قصيرة المدى.
الحقيقة أن الشخصية القيادية تظهر مزاياها ومحاسنها في المواقف الحرجة، ذلك أن الظروف العادية لا يمكن أن تكون محل اختبار لمدى صلاحية الصفات القيادية كون الظروف العادية يتم التعامل معها بعقلية معتادة على تصريف الأمور، وليس هناك ما يضغط على القيادي ولا توجد ظروف غير طبيعية توجه الحاكم أو الشعب، ولهذا تبقى الأمور تدور في مجال المعتاد والمعروف والمتعارَف عليه.
هكذا هم القادة الناجحون، هادئون في الظاهر، ومحتدمون في الباطن، تنظر إليه فتجد الهدوء بادياً على قساماته، لكنه في الحقيقة يكون ثائراً في داخله، باحثاً عن الحلول اللازمة، ولا يهدأ له بال إلا عندما يصل إلى الحل الصحيح والمناسب، من دون ابتعاد عن الواقع وما يفرزه من شواهد وأدلة وعلامات تساعد القائد على اتخاذ القرارات الصائبة.



