الاصلاح .. عملية معقدة وطويلة الامد
طاهر القزويني
العراق يخوض اليوم حرباً كبيرة ضد عتاة المجرمين من الدواعش الذين لا يتورعون عن القيام بأية جريمة لتحقيق اهدافهم الدنيئة بما في ذلك قتل النساء والاطفال، ولذا فإن اقحام البلد في صراعات داخلية في هذا الوقت بالذات سيكون بالغ الخطورة على مصيره ومستقبله. ولنا ان نتخيل كيف سيكون شعور البطل الذي يقاتل على جبهات القتال من الحشد والجيش والشرطة ، عندما يسمع بأعمال العنف التي تحدث في العاصمة بغداد والفوضى التي تعم المدينة في كل جمعة والاشتباكات التي تحدث بين المواطنين المطالبين بالإصلاح وأفراد القوى الامنية وما قد ينتج عن تلك الصدامات من اصابات. ومن هذا الباب اتت التوصيات بوقف التظاهرات والاعتصامات لحين الانتهاء من عمليات تحرير الفلوجة والقول السديد هو وقف تلك الاحتجاجات الى ما بعد تحرير الموصل وكامل الاراضي العراقية من براثن الدواعش القتلة، ليس دفاعاً عن الفساد وعن السياسيين الفاسدين الموجودين في السلطة بل لاجل العراق والمقاتلين الابطال الذين يضحون بدمائهم في سبيل تحرير تراب الوطن ويتوقعون منا ان لا نخدش ارواحهم ومعنوياتهم من خلال اسالة الدماء في العاصمة بغداد. ولكي لا نظهر وكأننا نمالئ الحكومة ورئيس وزرائها نقول بان حيدر العبادي وبالرغم من الفرصة التي سنحت له والدعم الاكبر الذي قدمته المرجعية الرشيدة لعملية الاصلاح لم ينجح بالظهور كرجل الاصلاحات في العراق وفشل في استثمار تلك العناصر في سبيل اجراء تحول كبير في البلد وإصلاح العملية السياسية التي شابها الكثير من الفساد. وكنا قد توقعنا فيما سبق بان العبادي لن يستطيع بمفرده ان يدير سكان الاصلاحات ولهذا دعوناه الى تشكيل جبهة للإصلاحات وباشر الرجل في تشكيل تلك الجبهة لكنه للأسف اختار السكة الخاطئة لتشكيلها عندما ذهب الى الكتل السياسية المتهمة بكونها مصنع الفساد في البلد وهو يطلب اليها اعانته على تشكيل تلك الجبهة وبدلاً من ان تقدم له يد العون لإنجاح مهمة الاصلاح ارهقته بالشروط التعجيزية التي وضعتها امامه ومارست عملية الابتزاز بحقه بأسوأ شكل ممكن. وكان الاجدر بالعبادي ان يتوجه الى عموم الامة التي ايدته ورأت فيه رجل الاصلاح المنتظر وان يستدعي مفكريها ومثقفيها وهم ليسوا قليلين لكي يوضحوا رؤيتهم بما يخص تشكيل جبهة الاصلاحات وكيفية اصلاح النظام السياسي والتشريعي والقانوني في البلد . العبادي لم ينجح في اعتلاء مرتبة ان يكون فارس الاصلاح في العراق لكن بمقدوره ان يكون (فارس التحرير) اذا استطاع ان يطهر العراق من رجس الارهاب والارهابيين، بعد تحرير كامل الاراضي العراقية وهذا الانجاز لو تحقق سيكون مفخرة للعبادي وبلا شك سيسجل له التاريخ هذه المفخرة بأحرف من نور. لكننا نتوقع من العبادي ايضاً ان يمهد الطريق لإجراء اكبر عملية اصلاح في العراق الحديث، لان الانتصار العسكري سيكون مثلوماً اذا لم يلحقه الانتصار السياسي، من خلال تحقيق النصر على جبهة الاصلاحات وهي حرب لابد منها لأن الفساد اصاب مفاصل الدولة العراقية بالشلل وساهم في استفحال ظاهرة الارهاب . فهذا الفساد منع الجيش من ان يطلق طلقة واحدة لمواجهة الغزو البربري الذي نفذته داعش على ارض الموصل، نفس الفساد الحكومي الذي جعل المحافظين والمسؤولين الحكوميين عاجزين عن مواجهة غزو بلدهم وقاموا بتسليم مدنهم ومناطقهم بكل سهولة للارهابيين، نفس الفساد الذي كبل ايدي القوى الامنية من الشرطة ورجال الامن من رفع سلاحهم بوجه اعداء البلد، والذي يشتري رتبته العسكرية بآلاف الدولارات لا يتوقع منه الدفاع عن عرضه ووطنه وقد وصل الوهن بالعراق وبمؤسساته الكبرى الى درجة ان برلمانها عاجز عن الانعقاد بينما البلد يخوض حرباً وجودية مع اشرس تنظيم ارهابي على وجه الارض هذا هو المضحك المبكي اليس كذلك؟ وفساد بمثل هذا الحجم؛ ينخر في لحم وعظم الدولة العراقية لا يمكن ان نتوقع بأن تتم معالجته خلال يوم او يومين او حتى سنة وسنتين وللاسف يجب ان نقول بأننا لحد اليوم لم نضع القطار على سكة الاصلاحات ولم يتم تشغيل محرك هذا القطار حتى الآن.ليس المهم ان يصدح المسؤولون ويتبارون في الدفاع عن خيار الاصلاح لكن المهم ان نضع قطار الاصلاحات على السكة الصحيحة لان الخطوة الاولى والصحيحة ربما تقود الى الخطوة الثانية لكن لا سامح الله اذا وضع القطار على السكة الخاطئة فلن نصل الى الهدف حتى لو امضينا الدهر كله ننادي بالإصلاحات لأننا نسير في دوامة مفرغة .لقد فهم البعض حركة الاصلاحات بأنها مجرد كلمات يمكن ان يتمسكوا بها ومجرد لوائح دستورية يمكن ان يتلاعبوا بها للحصول على بعض المكاسب من اجل الاطاحة برئيس البرلمان او بنواب رئيس الجمهورية ونواب رئاسة الوزراء! لكن عملية الاصلاح هي عملية شاملة وهي لا تستهدف الافراد بقدر ما يجب ان تستهدف القوانين والإجراءات والتنظيمات التي سمحت باستغلال الافراد لمواقعهم من اجل التملص من القانون والتحايل عليه ولهذا يجب ان لا تستثني العملية الاصلاحية احدا من قائمتها بما في ذلك الاحزاب المتهمة نفسها بالفساد، لان حالة الاصلاح هي حالة ابوية تريد اصلاح اوضاع البيت دون ان تدمر وتقصي وتطرد هذا او ذاك. يجب ان لا نسمح من خلال لافتة الاصلاحات بخلق المزيد من التناقضات والأعداء داخل النظام السياسي وليس من المناسب ان يستعدي تيار الاصلاح؛ الاحزاب والكتل المتهمة بالفساد بل يجب ان يسعى الى جر الجميع للمساهمة في العملية الاصلاحية وعدم السماح بتحويل جبهة الاصلاحات الى خندق لمعركة يشتعل فيها العراق من جديد. فعملية الاصلاح هي عملية شاملة وكبيرة وتهدف الى اعادة بناء الدولة من جديد بكل اسسها وقيمها ومبادئها وتصحيح مسار كل مؤسساتها التي اصبحت شبه مشلولة بسبب الفساد الذي ينخر في جسمها ونحن بحاجة الى استراتيجية كبرى لمحاربة الفساد، وفي هذا الظرف يجب على الحكومة ان تساعد في جمع المفكرين العراقيين على طاولة واحدة من اجل رسم معالم العراق الجديد.فعراق ما بعد التحرير يجب ان يكون مختلفا عن عراق الازمات والمشاكل والفوضى الخلاقة التي دمرت كل البنية التحتية للدولة العراقية ، ليعرف العبادي ان المهمة صعبة جداً لان الذي خرب خلال ايام في الحروب والمعارك الماضية بحاجة الى سنين طوال من اجل اعادة بنائه لكن يمكن اختصار تلك المسافة اذا كانت لدينا المبادرة ولا ننسى (وضع القطار على السكة الصحيحة هو الاهم).



