اراء

أغرب ما في الغربة

بقلم: منهل عبدالأمير المرشدي..
المفهوم التلقائي لمعنى الغربة، ان نعيش في وطن المهجر، بما يحمله من عالم مستجد عمّا ألفناه في اللغة والثقافة والعقيدة، وحتى المأكل والمشرب، بعيداً عن وطن النشأة بما يعنيه من أهل وأحبة وأصدقاء ومثابات ومقدسات وذكريات وخصائص ومفردات يومية. كل تلك الدواعي للإحساس بالغربة أمست تحت إمكانية اليسر والتخفيف عنها، بحكم ما وصل اليه الحال في عالم الاتصالات والتواصل المرئي والمسموع والتآلف عن بعد، لكن الغريب في الغربة هو ما نعانيه من غربة الروح بين أغلب من نلتقي ونعرف ونتواصل.. ليس في وطن المهجر فحسب، بل حتى في وطن المولد والنشأة.. غربة غريبة مقيتة ثقيلة لا تحتمل.. غربة تدعونا لأن نفكر في الصمت المطلق حيثما التقينا وحيثما كنّا.. غربة جعلتنا في موضع الاتهام في كل ما نقول أو نحكي أو نكتب، لا يصح لنا أن نذّم الكذب ومن حولنا أناس مهما كانوا أصحاباً أو أقارب أو زملاءً أو غيرهم، لأننا سننال غضب الكثير منهم، فكل منهم يظّن إنه هو المقصود من دون سواه!!! لا يصحّ ولا يجوز لنا أن نشتم الفساد والفاسدين والحرام وابناء الحرام، لأن الكثير ممن نلتقيهم سيعتقد إننا نقصده هو من دون سواه، ليس من الصحيح ولا يحق لنا أن نذّم النفاق ونلعن المنافقين والمتملقين حيثما كنّا، لأننا سنكون متهمين بقلة الذوق والإساءة الى أغلب الحاضرين، لا يحق لنا أن نتحدث عن الجهل والهمجية والتخلف، لإننا سنتلقى غضب علماء من دون علم ومستثقفين بلا ثقافة ومستحمرين بلا عقل… لا يجوز على الإطلاق ان نذكر شيئاً عن البخل والبخلاء والجبن والجبناء، لأن ذلك سيغضب أناساً لا تعّد ولا تحصى. إننا نعيش حقاً غربة تدعونا للصمت المطلق أو للعزلة المطلقة أو الموت في حياة الأموات، فأغلب من نرى أمواتاً في الروح والمعنى والدلالة، حقا انها أغرب ما في الغربة تتسلل في بؤسها الى شغاف الذات ولا معين غير الله.
أخيراً وليس آخراً، أود ان انهي مقالي لما ذكرته سابقا، بما يقال عن رجل دخل على مضيف أحد المشايخ الذي كان ممتلئاً بالحاضرين، فقال: السلام عليكم.. ردّ عليه الشيخ التحية، وقال له: تفضل استريح، فقال له الرجل: عذراً شيخنا الفاضل، لا استطيع الجلوس، لأنني لا اتحمل أن أجلس في مكان يوجد به منافق جبان، صمت الجميع، إلا ان شخصاً كان يجلس في آخر المضيف قرب الشيخ، انبرى له وصاح به: احترم نفسك يا رجل ولا تغلط!!!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى