سيادة العدل في عالمنا البشري

العدل مفردة تأتي في إطار العدالة بين الأشياء، وبين الناس أيضا، ولنتصوّر أن مجموعة من البشر يعيشون في ظل منظومة عدل جيدة، ماذا ستكون النتائج؟، الجواب لابد أن حياة هؤلاء الناس ستكون في غاية الاستقرار والسعادة، كون الحقوق محفوظة، والعلاقات محمية، والثقة تعم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الناس مع بعضهم البعض أيضا.
منظومة العدل تقوم بتنسيق العلاقات والمشاعر بين الناس، ما مدى صحة هذا التوصيف على المستوى الواقعي أو الفعلي، هل حقا العدل ينسق القلوب كما تقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في خطبتها الفدكية؟
بالطبع في عالمنا البشري الراهن لا توجد تجربة معروفة عن سيادة العدل في مجتمع معين أو دولة معينة، لكن القضية هنا نسبية، ويمكن أن نحسم القول بأن المجتمع أو الجماعة التي تسودها العدالة تجدها متقاربة ومتحابة لأن العدل ينسق قلوب أفراد هذه الجماعة، ويجعلهم واثقين من بعضهم البعض، صادقين في تعاملاتهم، لن تقترب منهم الأحقاد ولا الضغينة، لأن العدل هو السائد فيما بينهم.
فالتنسيق بين الأشياء هو تطهيرها، وتنقيتها من جميع الشوائب التي تعلق بها، بينما العدل هو وضع الأشياء وفق حجومها ومقاديرها من دون تمييز أو إخلال بحجم ومقدار الأشياء، وفي هذه الحالة سوف نضمن نوعا من الانسجام التام في العلاقات المتبادَلة، وفي التعاون والتناسق، وفي الحركة، وتنظيم الحقوق وما شابه، لأن جميع هذه الفعاليات في إطار العدل ستكون مضمونة وجميع العلاقات متوازنة وموثوقة.
ضبط ميزان الحقوق والواجبات
ثنائية التنسيق والعدل هنا تضمن نتائج جيدة، وتبعد الخلل في ميزان الحقوق والواجبات، تماما كما تقوم أعضاء الجسد كل وفق حجمها وشكلها وضمن المهمة الموكلة لهذا العضو أو ذاك، فأعضاء الجسد ليست متشابهة في أحجامها، الأنف مثلا أصغر حجما من قدم الإنسان، وتبعا لهذا الاختلاف هناك اختلاف في العمل والمهمة التي تقوم بها أعضاء الجسد، وهذا يعيدنا إلى نص الحديث الشريف: (بالعدل قامت السماوات والأرض).
وهكذا فإن العدل فريضة إلهية، هدفها الأول والأخير هو (تطهير القلوب)، ومسح الضغائن تماما، وجعل القلب ذلك الوعاء الصالح الجميل الذي لا يقبل بدخول أي شيء قبيح إليه، بل يسمح فقط للأشياء الجميلة المتسامحة أن تدخله، استنادا إلى منظومة العدل التي تسود بين الجميع، وتنظّم العلاقات فيما بينهم، وخاصة ما يتعلق بالواجبات والحقوق وحمايتها.
منظومة العدل هذه تكفل خلوّ القلوب من كل شيء ضار للإنسان، تمنع وجود الحقد في القلوب، وتمحو جميع حالات السواد التي تسعى كي تتسلل للقلوب بطرق خبيثة، العدل يغلق جميع الأبواب التي ينفذ منها الحقد أو الغل نحو القلوب، هذه هي المهمة الكبيرة التي يتكفل بها العدل، وهي مهمة سعى لنشرها وتطبيقها الأنبياء والرسل والأئمة والأولياء الصالحون، حتى لا تظهر المساوئ الموجودة في القلوب على ألسن الناس.



