اخر الأخبار

تربية الشباب بين الذوق والجمال والتطرف والابتذال

gf

قال الله تعالى: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً” الكهف : 7 .
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :”إنّ الله جميل يحب الجمال، ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده،ويبغض البؤس والتباؤس”.
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): “التجمّل مروءة ظاهرة”. إنّ الشريعة الإسلامية الغرّاء قد اعتنت بمسألة الجمال والتجمّل والذوق الجميل والحسّ الجميل عناية فائقة،ولقد تحدّث القرآن الكريم عن الجمال والزينة والطيب،وبيّن للإنسان ما في عالم الموجودات من جمال وزينة ولطافة وبداعة،وأنّ له الحقّ في التجمّل والتطيّب والتزيّن والاستمتاع . وكان الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه وأوصياؤه الأئمّة الإثنا عشر(عليهم السلام) المثل الرائع والقدوة اللطيفة في الأناقة والتجمّل وسمّو الذوق والتطيّب. كما إنّ التربية الذوقية والجمالية والحسّية تربّي لدى الإنسان ـ لاسيّما الشباب ـ سمّو الذوق الجميل،وتجسّد الحسّ السليم،ولها تأثير عظيم في أنماط السلوك الإنساني والروابط الاجتماعية. وهي أيضاً تفتح الأفق النفسي والعقلي والوجداني لدى الإنسان، وتشدّه إلى مبدع خلائقه ومصوّر جمالها في هذا الوجود الله عزَّ وجلَّ، الخالق المبدع المصوّر الخبير العليم. فالجمال والتربية الجمالية والخيال الخصب والذوق الجميل والحسّ الرقيق يعدّ طريقاً لمعرفة الخالق جلّت قدرته؛ لأنّ ذلك دليل على عظمته سبحانه، وعلى الارتباط العقلي والوجداني به تعالى. فهذا الكون من سماء وأرض كلّ ما فيهما من تناسق وجمال وروعة ونظام وترتيب ما هو إلاّ لوحة فنية خلاّبة،ومصدر إلهام فنّي وذوقي وجمالي .
وقد أكّدت بحوث الفلاسفة الإسلاميّين القيم الإنسانية والمثل العليا (الحقّ والخير والجمال)، وجعلتها هدفاً أسمى في هذا الوجود،يسعى المرء لبلوغها،وتحقيق مصاديقها، وبناء الحياة على أساسها. كما تناول علماء الكلام ،وعلماء العقيدة الإسلامية،وعلماء أصول الفقه والمنطق مسألة الحسن والقبح في الأفعال والأشياء بالبحث والتدقيق العلمي تفصيلاً،فنفوا عن الله عزَّ وجلَّ القبح وفعل القبيح، وأثبتوا له الحسن والفعل الحسن. وأقاموا على هذه المبادئ قيماً وأسساً ومفاهيم تشريعية لتنظيم السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية، فجعلوا الحسن والجمال والبداعة واللطف أساساً لبناء الحياة.
ومن نظرة الإسلام العظيم إلى الحسن والجمال يتعيّن على الآباء والمعلّمين والمربّين تأصيل وتعميق هذا الشعور الإنساني اللطيف في نفس الأولاد منذ طفولتهم، وتحبيب الجمال والتجمّل إليهم. فإنّ تربيتهم على هذه القيم تعني تنمية الذوق اللطيف والحسّ الجمالي لديهم، وتعمل على تهذيب سلوكهم وأخلاقهم، وإرهاف حسّهم الذوقي، وتجذير قدرتهم على التمييز بين الشيء الحسن والآخر القبيح، والتفاعل مع الجمال المادي والمعنوي.
إنّ تعويد الإنسان منذ نعومة أظفاره على الأناقة والجمال والزينة،والذوق الأدبي والأخلاقي،ولمسه للعناية الأسرية لهذه المظاهر اللطيفة،ومشاهدته آثار الجمال على البيت،من هندسة بنائه وترتيب حديقته،وتنظيم أثاثه،وترتيب الطعام على المائدة،وكذلك استصحابه في التجوال والسفر،وتمتّعه بمشاهدة الطبيعة الجميلة،وانتباهه إلى مواطن الجمال،وكذلك غرس الأبوين في نفسه روح التأثّر بالمظاهر الجمالية،كلّ هذه تخلق فيه حسّاً ذوقيّاً وجماليّاً لطيفاً، هذا إن أمكن طبعا فهنالك من يعيش في مناطق فقيرة وحاله وعيشته بسيطة جداً ولكن ذلك لا يمنعه من أن يكون متجملاً نظيفاً ودوداً للناس وحلو الأخلاق والمعشر،إذ إنه مهما كان الإنسان فقيراً لكن الفقر عمره لم يكن مبرراً لأن نكون قبيحين لا نعتني بمظهرنا ولا بكلامنا ولا بأخلاقنا أمام الناس،فالأئمة (سلام الله عليهم) وعلى رأسهم الإمام علي (عليه السلام) كانوا في قمة الجمال والتكامل الأخلاقي برغم فقر حالهم إذ يقول الإمام (عليه السلام): “أما والله لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها.. ” وهذا الحديث إن دل على شيء فهو يدل على بساطة لبس الإمام (عليه السلام) فهو يلبس المرقع من الملابس وبرغم كل هذا فهو قمة في الأخلاق والأدب وحسن السير والسلوك حتى أنه (عليه السلام) يقول من فرط تبسمه بوجه الناس مخاطباً الملعون عمر بن العاص: “عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة و أني امرؤ تلعابة..”. وفي هذا خير دليل على أن الفقر وقلة المال لا تحرم المرء من أن يكون جميلا متبسماً بوجه الناس ينشر الفرحة والبهجة كما هم أهل البيت (عليهم السلام). لهذا فإن الإطراء على الشاب ومدحه على اهتمامه بمظهره وقيافته، وعنايته بترتيب لوازمه وأدواته، وتنظيم وتصفيف لعبه،وكذلك تشجيعه على إنتاجاته الفنّية المرهفة والذوقية مهما كانت بسيطة، كلّ ذلك يعدّ من المحفّزات الضرورية لتنمية الذوق الجميل، والحسّ الفنّي والقدرة الإبداعية والأداء الفني الجميل.كما أنّ نقد وتقبيح مظاهر القبح،وإشعاره بالنفور والتقزّز من المظاهر والمناظر القبيحة والفاقدة للجمال، يكوّن لديه حسّ نقديّ وتمييزيًّ،وذوقً سليمً، ويركّز في نفسه الإقبال على الحسن والجمال من الفعل والقول والسلوك والأشياء،والنفور من أشكال مظاهر القبح والفساد ومعانيهما.وينبغي أن نربّي أولادنا على أنّ الجمال كما يتجسّد في الموضوعات الحسّية ـ كالمظهر في اللباس والعطر والحدائق وطراز بناء البيوت وهندسة الشوارع وتخطيط المدن،واللوحات والواجهات الفنية ـ كذلك فإنّ الجمال يتجسّد في القيم الأخلاقيّة العليا،والمثل الأدبية السامية الرفيعة،وكذا في الكلمة الطيّبة والمنطق الحسن والكلام المؤدبّ والأسلوب المهذّب، والمعاملة الحسنة والمعاشرة الجميلة،وفي فعل الخير واحترام حقوق الآخرين.وذلك حتّى ينشؤوا ويكبروا على القيم الأخلاقية النبيلة، والتحسّس بالجمال،وتوظيفه في تهذيب السلوك وتسامي الذوق ورفعة الأدب والأخلاق الكريمة.فلو أعددنا شبابنا الإعداد الفني والذوقي والجمالي الحسن، فإنّنا في الحقيقة نكون قد أعددنا مجتمعاً إسلاميّاً ذوّاقاً سامياً مرتّباً منظّماً قوّياً، وذلك من مظاهر القدرة والمنعة ومن عناصر الحضارة ومعالم رقيّها. وهذا بدوره لا يمنع من التهيئة الروحية للشباب كي يكونوا جاهزين لترك كل المظاهر الدنيوية وراءهم والنفير العام في حالة أن يتهدد البلد خطر ما مثل الذي يتهدده الآن فالأخلاق النبيلة والصفات الحميدة والأدب العالي والتبسم في وجوه الناس يجب ألا تمنع الشباب عن إبداء الغلظة والخشونة في التصدي للعدو وخاصة أعداء الدين يقول الله جل وعلا: “ﻳﺎ أيها النبي جاهد اﻟﻜﻔﺎر واﻟﻤﻨﺎفقين وأﻏﻠﻆ عليهم ومأواهم جهنم وبئس اﻟﻤﺼير” سورة التحريم:9، “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” سورة الأنفال :60،وما يسوء الناظر الآن في مجتمعنا بعض الشباب الذين هم نموذج سيئ للانفلات والغرق في الحياة المادية بعيداً عن الدين وأمور الدين وهذا النوع من الشباب يجب أن يوعى لسببين الأول أنهم سيدمرون المجتمع لكونهم مثلاً بعيداً عن الدين والثاني أنهم سيدمرون أنفسهم بذلك من هنا على جميع الأسر أخذ التنبه لئلا يغرر بشبابها بعيداً عن التعاليم الدينية مما يجعله هدفاً لتيارين في الظاهر أنهما متعاكسان لكنهما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة فإما أن ينغمس في الحياة المادية وبذخها وملذاتها فيصبح قاسي القلب بعيداً عن الدين وهذا ما يؤكده كلام الإمام الخامنئي (دام ظله) وهو يوصي الشباب: “ولا يجب أن يكون الجمال والزينة مدعاة لتفشي الفساد والرذيلة في المجتمع.. فإذا أصبح الاهتمام بالزينة والظاهر الجميل وأمثال ذلك هو الهاجس الأساس في الحياة، فهو عين الانحطاط والانحراف.. ولكن لا إشكال في ترتيب المظهر والملبس بالشكل المناسب بعيداً عن مظاهر التبرّج والتباهي”. أو أن يصبح متطرفا حاملا للفكر الهدام التكفيري على غرار الشباب الذين يأتون بهم من كل حدب وصوب كي يفجروا أنفسهم في العراق وسوريا وأي مكان تريد قوى الاستكبار أن تحدث فيه أمراً لصالحها. أما وجه التشابه فهو أن قوى الاستكبار لا تعمل بجانب واحد لأنه بمرور الوقت يصبح مكشوفاً وسلاحا محروقاً فهي من جانب تضلل من تستطيع بغمسه بالحياة المادية ومن لا تستطيع يتحرك عليه الفكر المتطرف ليكسبه لصفه فيصبح إرهابياً تكفيرياً وما إلى ذلك وكل هذا خدمة لأمريكا وإسرائيل لتهديم الإسلام وتضييع قواه المنتجة المتمثلة بالشباب يقول الإمام الخامنئي (دام ظله) موصيا الشباب: “ستواجهون في السنوات المقبلة وفي جميع مراحل أعماركم قضايا كثيرة، وما أوصيكم به هو: أن يشعر الشاب بالمسؤولية، ويعدّ نفسه شخصاً مسؤولاً، أن يتحرك في حياته بهدي الإيمان،أن يكون على وعي وبصيرة من أمره”. وليس بالضرورة أن يكون التطرف في الدين فقط بل في كل شيء فالتطرف هو نوع من الإسراف في الأمور وإخراجها عن نصابها وتلبيسها ما ليس بها. ومصدره الجهل وسطحية العقول وإهمال الأهل والمناهج التدريسية ما يؤدي إلى فساد المجتمع وهذا ما نلاحظه بوضوح في دول الخليج الغارقة في العالم المادي من جانب والمطالبة بإقامة الدين الإسلامي والعدل الإلهي ولكن على طريقتهم من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى