«أبناء الماء» تمثيل سردي صادم لمآسي العراقيين

سلوان الخطيب
حين يفقد المرء الشعور بالأمان في بلده، يكون الهروب الحل الأسلم وربما الأمثل، وحين يفقد الثقة في وطن دمرته الحروب، حتى صار مسرحا لمشاهد القتل وعنوانا للعنف اليومي والتشريد، تصبح الغربة عندئذ الملاذ الوحيد لديه، عندئذ يتحول الشعور بالخوف والرعب إلى شعور نفسي مرير بسبب الذكريات والحنين إلى لحظات يتمنى عودتها وهو محاصر بين أسوار هجرته القسرية.
وجع المأساة
تقوم رواية “أبناء الماء” للروائي العراقي عواد علي، على تمثيل سردي لمعاناة نماذج إنسانية، من النسيج الاجتماعي العراقي متعدد الأديان والإثنيات (عربا مسلمين ومندائيين ومسيحيين وأكرادا وإيزيديين)، غادرت بلدها، مكرهة، إلى بلدان اللجوء في الغرب، أغلبها إلى كندا، وبعض الدول العربية، بسبب تعرضها، هي أو أُسرِها، إلى أصناف مختلفة من الإرهاب؛ القتل الجماعي والاغتيال والاختطاف والقمع والتهديد، على يد السلطة والتشكيلات المسلحة التابعة لها، قبل الاحتلال الأميركي للعراق، والجماعات التكفيرية والميليشيات والأحزاب الدينية بعد الاحتلال.
الميتاسرد
في تمهيده للرواية، الصادرة حديثا عن دار أزمنة في عمّان، يستدرج عواد علي القارئ إلى لعبة “الميتاسرد”، مبينا أنه حين خطّط لكتابتها كان عازما على حماية نفسه من إثم الكذب بأن يتوارى خلف أحداثها، ويترك للراوي سردها بضمير الغائب، يحرك شخوصها كما يشاء، لا كما يشاؤون هم، وينسج خيوطها وفقا لما تمليه عليه مخيّلته، موظّفا مدوناتهم التي ادّعوا أنهم وثّقوا فيها أحداثا عاشوها حقيقة. لكنه، أي علي، غيّر خطته، نزولا عند رغبتهم، وتركهم يسردون فصولها بأنفسهم.
ولمّا أنهى كتابتها عرضها عليهم لقراءتها، فاعترض أربعة منهم على تلاعبه بالأحداث وعدم حياديته، واشترطوا أن ينشر تنبيها بأسمائهم، فوافق على الفور دون مناقشة، غير أنه ردّ لهم الصاع صاعين عندما تعمّد إعادة كتابة الرواية من جديد، واستغنى عن بعضهم نهائيا، وأوقف بعضهم الآخر عن مواصلة السرد بلسانه في منتصف الطريق، جاعلا الآخرين يحكون عنه، أو يشيرون إليه على نحو عرضي. وقد هدف عواد علي من هذا التمهيد إلى كسر الإيهام، والبعد الوثوقي (اليقيني) الذي يلتبس وعي القارئ، فيذهب به الظن إلى أن الرواية توثق تجارب واقعية، وأن المؤلف مندمج مع أحداثها، ولسيرته حضور فيها.
تكشف “أبناء الماء”، من خلال الأحداث التي ترويها سبعة شخصيات، في سياق “متعدد الأصوات”، عن الواقع الافتراضي، أو المتخيّل، القائم على ثنائية القهر والحب، والفواجع التي أصابت العديد من الفئات في النسيج العراقي ضمن واقع سياسي محتقن، وصراع دموي أنتجتهما حماقات الزعماء والتكالب على المصالح الضيقة.
وتتسع جغرافية الرواية فتجري أحداثها بمجموعة من المدن والبلدات في العراق والأردن وكندا وهولندا واليمن وجيبوتي وتركيا، وهي جزء من فضاءات كثيرة في مختلف قارات العالم المأهولة بالسكان التي لجأ إليها الملايين من العراقيين في العقود الأربعة الأخيرة لأسباب سياسية وإنسانية.
تشدّ الرواية، بأسلوبها الرشيق، القارئ منذ أسطرها الأولى، في الفصل الذي يرويه بطلها المندائي ميران بادئا بجملة “لا يوجد في داخلي سوى الصقيع”، وهو شاعر ذو نزعة سوريالية يُختطف أبوه وشقيقه من جماعة تكفيرية في بغداد، ثم يُقتلان بعد يومين، ويُعثر على جثتيهما مرميّتين على مقربة من “المندي” (معبد المندائيين)، وقد أُلصقت على ظهر كل منهما كرتونة مكتوب على إحداهما “ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه”، وعلى الثانية “لا مكان لعبدة الكواكب بين المسلمين”.
ويستمر ميران في هذا الفصل بسرد عملية دفنهما في مقبرة المندائيين قرب أبوغريب، كاشفا عن طقوسهم التي يمارسونها أثناء غسل الميت ودفنه بوصف دقيق ينمّ عن استيعاب واضح لأسرار الديانة المندائية وعاداتها، وتراكيب مبهرة ذات انزياح عالٍ تكشف عن وعي جمالي وبلاغي في توظيف اللغة توظيفا إيحائيا.
معاناة متواصلة
وتروي شخصيات أخرى مسيحية وكردية وعربية أحداثا رهيبة، في سياق مختلف، لعمليات هروب واختطاف واغتيال ذويها على يد إرهابيين وجماعات مسلحة في أماكن مختلفة من العراق، فتضطر إلى مغادرة البلد متوجهة إلى تركيا والأردن واليمن الجنوبية للحصول على اللجوء. ويلتقي البعض من هذه الشخصيات في مكتب مفوضية اللاجئين بعمّان وتتشكل بينهم علاقة صداقة، ثم يجمعهم بلد لجوء واحد هو كندا، وهناك يواصلون رحلة الاغتراب ومتاعب الحياة التي تواجههم وهم يسعون إلى كسب قوتهم وتدبير معيشتهم ونفقاتهم اليومية.
لقد قرأت نماذج كثيرة من الروايات العراقية التي تناولت فواجع الحروب والاقتتال الداخلي والإرهاب، لكنني قلما وجدت فيها ما يرقى إلى مستوى رواية “أبناء الماء” في بنائها السردي، الذي ينتظم بتنوع خصب، وبتعدّد الرؤى، وغوص في العوالم الداخلية للشخصيات وتوتراتها، وتعرّض هوياتها إلى الاستهداف، وارتباطها الصميم ببلدها رغم تشردها وجراحها وآلامها.
يقول أستاذ جامعي اسمه جورج لشقيق زوجته اللاجئ في أوتاوا، بعد أن خيّرته جماعة تكفيرية بين الموت أو ترك مدينته “أخيرا يا أفرام اضطررت إلى هجر الموصل. ربما لن تتاح لي مستقبلا فرصة العودة إليها لزيارة قبري والديّ وإضاءة الشموع لذكراهما، ولا التجوّل في عوجاتها وأزقتها، أو تناول أرغفة اللحم بالعجين في باب الطوب، أو التبضّع من سوق الأربعاء، أو شرب استكان شاي في إحدى مقاهي باب الجديد. لقد غادرتها مكرها كي لا يصبح إلياس ومريم يتيمين…”.
ومثل جورج تكتنز شخصيات أخرى في الرواية بلوعة الحنين والاشتياق إلى ديارها التي ترعرعت فيها، وغادرتها مُكرَهة، مؤملة نفسها بالعودة إليها ذات يوم حين يُزال الكابوس عن البلد، ويتطهر من السعـــــــــــار الطائفي واللئام وتجار الدم.




