اخر الأخباراوراق المراقب

زيارة الأربعين ومسؤولية الاستنقاذ بالنصيحة

جاء في زيارة الأربعين التي هي من الزيارات العظيمة في معانيها، وكل الزيارات معانيها عظيمة، هذا المعنى العميق ويمكن أن نقول بأنه جوهر هذه الزيارة:

 (وَأَعْذَرَ فِي الدُّعاءِ، وَمَنَحَ النُّصْحَ، وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ؛ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ، وَحَيْرَةِ الضَّلالَة).

 في هذا المقال نريد أن نسلط الضوء على فقرة من فقرات الزيارة وهي (ومنحَ النصيحة)، فما الذي يراد من النصيحة هنا؟.في هذه الزيارة كذلك نلاحظ هذه الجملة (وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك)، فالهدف هو الاستنقاذ، والطريق لهذا الهدف هو (منح النصيحة وبذل مهجته)، فالنصيحة هي من أهم عناصر عملية استنقاذ الأمة وبناء نهوضها، فالنصيحة تمنع من الوقوع في الضلالة، لذلك لا تكتمل عملية الاستنقاذ إلا بهذين الأمرين (النصيحة والتضحية)، أحدهما يسند الآخر.

وفي الآية القرآنية: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، تعبير عن القلب المقفل الذي لا يعي الأمور ولايدرك النصيحة، فيحتاج إلى صدمة كبيرة، وهذه الصدمة كانت تتجسد في تضحية واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذه الصدمة ولَّدت صدمة تاريخية كبرى أدت إلى استمرار عملية استنقاذ الأمة، فالاستنقاذ ليس محصورا في ذلك اليوم، بل هو استنقاذ مستمر على طول التاريخ في الحاضر والمستقبل من الجهالة وحيرة الضلالة.

لذلك فإن هناك حاجة حتمية الى النصيحة، لأنه النصيحة تمنع الإنسان من السقوط، لأنه أغلب الذين يسقطون في امتحانات الحياة هم الذين لا يلجؤون إلى النصيحة ولا يقبلون بها، وخصوصا الناصح الأمين المتمحض في النصيحة الجيدة السليمة الخالية من الغبن والسوء، لذا فإن هذه الأمة التي سقطت في الجهالة وحيرة الضلالة، لو كانت قد استمعت للنصيحة لما وقعت في هذه المأساة وهذه الضلالة، وهذا السقوط المريع لتلك الأمة التي خذلت الإمام الحسين (عليه السلام).

(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) .

النصيحة مسؤولية وأمانة

فالنصيحة هي تبليغ والقاء الحجة (وَأَعْذَرَ فِي الدُّعاءِ، وَمَنَحَ النُّصْحَ) على الناس حتى لا يقولون أنه لم يخبرنا أحد ولم ينصحنا أحد، فالإمام الحسين (عليه السلام) من أول خروجه فيه إلى كربلاء كان مستمرا في القاء الحجة وإعطاء النصائح، علّهم يستمعون، ولكن للأسف الشديد لم يستفيدوا منها.

لذلك فإن النصيحة هي مسؤولية وأمانة، وعلى كل مسلم ومؤمن وموالٍ أن يعطي أهمية لهذه القضية، وكذلك هي واجب عقلا على المستنصَح، وعليه قبول النصيحة خصوصا اذا جاءت من نبي مرسل او امام معصوم.

فالتعاون واجب، ومن حق الله على المؤمنين التعاون في النصيحة، أو التعاون في النصح، فهذا ما يريده الله سبحانه وتعالى، ومن حق الله سبحانه على الإنسان أن يقوم بالنصيحة، ويعطي النصيحة للآخرين في سبيل الله حتى يقف أمام ذلك الانهيار وذلك السقوط.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنّ أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنّصيحة لخلقه) ، وأعظم الناس هو الذي يمشي مستمرا في اعطاء النصيحة في كل مكان في سبيل الله سبحانه وتعالى، ولذلك الامام الحسين (عليه السلام) اعظم منزلة لأنه اعظم من نصح في استنقاذ الناس بأن بذل مهجته وأهله وولده.

المعنى اللغوي والاصطلاحي

إن النصيحة بمعناها اللغوي والاصطلاحي، هي دلالة على الصدق، فإذا ذهبت إلى أحد الباعة للتبضع، وكان هذا البائع أمينا، فإنه ينصحك ويخبرك عن نوع البضاعة ودرجة جودتها، أما إذا كان البائع غير أمين فسوف يغشك، ولذلك فإن الغش ضد النصيحة.

يُقال نصحتُ نصيحتي نصوحا، أي أخلصتُ وصدقتُ، كالإخلاص لله تعالى، فالنصح هو الخلوص في الذِكر وهو النقاء الذي يشبه الإخلاص، فالنصيحة هي الخلوص، في المعنى وفي الكلمة وفي القول، بمعنى أقول ما هو خالصا، ولا أترك في القول شوائب أو هوامش أو قضايا أخرى، هذا هو معنى الخلوص والنصيحة، وكذلك بمعنى إرادة الخير، من الناصح للمنصوح.

النصح أقوى من المشورة

فإذا كانت النصيحة فيها شر وباطل، وامور غير شرعية، مثلا أنصح أحدهم بالقول أن الشيء الفلاني حرام وهو حلال او العكس، فهذه ليست نصيحة وإنما هو غش، والنصح هو نوع من المشورة، ما خاب من استشار، لكن النصح هو أقوى من المشورة لأن النصيحة فيها خلوص.

كذلك فإن النصيحة هي (النصيحة هي الدعاءُ الى ما فيهِ الصلاح والنهي عمَّا فيهِ الفساد والشر)، فكل شيء يُقال في الصلاح والإصلاح والخير يدخل في باب النصح، أما أي شيء عكس ذلك فهو غش وخيانة.

وعن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (لا إخلاص كالنصح) ، وهذا يعبر عن معنى، النصيحة، وهو الإخلاص والنقاء والوضوح.

في جامع السعادات نقرأ: (إن النصيحة هي ضد الحقد والكراهية والحسد، وهي إرادة بقاء نعمة الله للمسلمين، وكراهة وصول الشر إليهم، وقد تطلق في الأخبار على إرشادهم إلى ما فيه مصلحتهم وغبطتهم، وهو لازم للمعنى الأول) ، فماذا يريد الناصح من نصيحته ولماذا يريد الوصول إلى الخير؟ لأنه يكره وصول الشر للمسلمين، ويكره زوال النعم عنهم، فغاية النصيحة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره ما يكره لها.

النصيحة مبادرة وشعور بالمسؤولية

النصيحة تحتاج إلى المبادرة والشعور بالمسؤولية وادراك أهمية الأمانة، لذلك فإن (منح النصح) يعني أهدى، والمنحة هي الهدية، فالإنسان الذي يقدم هدية للآخر يعبر عن محبته وتقديره، ولكن المنحة أوسع في معناها من الهدية حيث لايتوقع المانح أي مقابل، ولكن في الهدية قد يتوقع الذي اهدى ردا على ذلك.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (اسمعوا النصيحة ممن أهداها إليكم، واعقلوها على أنفسكم) ، فهذه الهدية لابد ان يستمع اليها أولا ولا يقفل قلبه، وبعد ذلك يتعقل النصيحة ويفهمها ويتمسك بها ويركز عليها، لأن النصيحة هي دروب للاتعاظ، وإخراج المنصوح من الشر إلى الخير ومن الظلام الى النور.

لذلك فإن الناصح لا يقدم النصيحة كي يحصل المنصوح على الخير فقط، وإنما يحب الخير لنفسه أيضا، فهو أيضا يحتاج لهذا الأمر ويشعر بأهميته، (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فحتى الناصح قد يقع في المشكلة إذا تخلى عن النصح، لذلك (اعقلوها على أنفسكم) بالتمسك بها بقوة عسى أن يتجنبوا الوقوع في الانحراف.

الدين هو النصيحة

وردت روايات شريفة كبيرة لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن النصيحة، وفي أبواب متعددة، وأبواب كثيرة، لماذا؟

أولا لأن الدين هو النصيحة، وهدف الدين هو بناء الإنسان وتقواه واعتداله واستقامته، وهذا كله لا يتم إلا بالنصيحة، لذلك جاء في الرواية: (الدين النصيحة).

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (من يضمن لي خمسا أضمن له الجنة، قيل: وما هي؟ يا رسول الله قال: النصيحة لله عز وجل، والنصيحة لرسوله، والنصيحة لكتاب الله، والنصيحة لدين الله والنصيحة لجماعة المسلمين)، وبهذا المعنى فإن النصيحة عبادة، وهي الدين، وأيضا هي مسؤولية تقع على الإنسان فالدين والتدين يعني التمسك بالمنهج الديني الإسلامي، وهذه المسؤولية تقع عليَّ وعليك، وعلى عاتق الجميع.

وعن الامام الصادق (عليه السلام): (عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه) ، فالإنسان لابد أن يكون ناصحا تطبيقا لهذه المسؤولية، فهل تعني النصيحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى