كارثية السلطة ومصيرها.. ما البديل الوطني؟

بقلم: فؤاد البطاينة..
تعريف سلطة أوسلو يمكن أن يحتاج لمجلد من العبارات المشينة. إنها الأداة الرئيسة بهويتها الفلسطينية كسند قانوني مزيف لتصفية القضية الفلسطينية. وهي ذريعة دول الغرب والأنظمة العربية المُطبِّعة في شرعنة احتلال واضح أو شرعنة النهج السلمي الإستسلامي والتشكيك في مبدأ المقاومة أو بجدواها وتحويل القضية الفلسطينية الى قضية توطين شعب الضفة في الأردن على دفعات كمرحلة أولى وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن إقاماتهم.
موقف سلطة أوسلو المستنكر لطوفان الأقصي وتحميل المقاومة مسؤولية الابادة الجماعية في غزة وتعاونها الأمني والعسكري المباشر مع جيش الكيان واجهزته الامنية في حملته على الضفة وتصفية أو اعتقال المقاومين من حماس والجهاد فيها وكل الفصائل بالأسماء على القوائم وبالتزامن مع حرب الإبادة على غزة بهدف منع انتفاضة الضفة كان بمثابة شهادة خضوع وتسليم من سلطة أوسلو شجع دول الغرب على دعمهم الخادع لهذه السلطة بلعبتها في مطلب دولة والدولة هذه لا تعني واقعاً أكثر من دولة تستوعب توطين وتجنيس شعب الضفة.
وأصبحت الدول الأوروبية والكثير من الدول المطبعة لا تجرأ أن تذكر مع عبارة الدولة الفلسطينية أي توضيح بالمقصود من الدولة من حيث مكانها وحجمها وطبيعتها. والكل من هؤلاء سوى الشعب الفلسطيني والمقاومة يقرأ قرار الكيان الصهيوني برفض قبول دولة فلسطينية ويتحول لمتربص بالأردن جبنا أو خيانة وفي النهاية أن النظام الأردني المتضررة دولته سيرضخ وينفذ والصيغ والمبررات جاهزة .
هذه السلطة المؤلفة من مجموعة متزعمين تعيش كما اعترف عباس تحت البسطار الإسرائيلي. بينما هي تأخذ مشروعيتها من الإحتلال وتنوب عنه بمهمات أمنية عسكرية قذرة لإرضاخ شعب الضفة وملاحقة المقاومين فيها بتصفيتهم أو بتسليمهم للإحتلال وقد يصح ما تسرب من أن عباس بعد أن استنفذ دوره طلب من الكيان الموافقة على استقالته والرحيل وأن الكيان رفض طلبه. وبالمختصر فإن من اهم عناصر فلسفة وجود هذه السلطة كممثل رسمي مزور للفلسطينيين هو قبول وتبني ما يرفضه الشعب الفلسطيني. وبالمناسبة فإن أمريكا وزعت الأدوار لتتولى السعودية الملف اللبناني وحزب الله وقطر لغزة والمقاومة والإمارات للسلطة إلا أن الكيان طوى صفحة السلطة وقرر أخذ الأمر بيده.
فهذه السلطة القائمة كأمر واقع فُرض عليها توسيع مسرح عملياتها لملاحقة الفلسطينيين وناشطيهم في الشتات. فعلى سبيل المثال كانت محاولات لناشطين من فلسطينيي الشتات من أجل عقد مؤتمر وطني لإيجاد صيغة سياسية معبرة عن ضمير الشعب الفلسطيني في مواجهة صيغة أوسلو التدليسية والتي لا تلوي على شيء سوى تنفيذ أوامر الكيان للحفاظ على وجودها. وقد حاولت تلك النخبة إيجاد حاضنة كمكان مناسب لظروفها إلا أنها وفي كل مرة كانت السلطة تسبقها وتطالب برفض الطلب ليكون الجواب للنخب الفلسطينية سلبياً بدعوى الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني.
هذه السلطة غير الشرعية وكذراع متعدد الأغراض للإحتلال بهوية فلسطينية مزورة مُنحت حق التمثيل الرسمي للفلسطينيين وقرارهم بدعم الغرب والعرب المطبعين لا يمكن النظر إليها إلا كالإحتلال. وبالتالي هي نقيض أساسي للقضية الفلسطينية ولطموحات الشعب الفلسطيني ولنهج المقاومة كنهج وحيد للتحرير. وقد أجد عذراً لحماس والجهاد للتعامل معها.
ومن يقول بالمصالحة الوطنية أقول له. المصالحة الوطنية كمبدأ عام مطلوبة. ولكن هذه المصالحة في الحالة الفلسطينية هي مستحيلة ومهزلة. ليس لأنها فقط مصالحة بين أفراد خونة وبقية ملايين الشعب الفلسطيني بل لأنها بين نهجين لا يلتقيان. إنها بين فريق وطني يؤمن بالمقاومة كطريق طبيعي مشروع للتحرير ويؤمن بقدسية الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني وبين فريق آخر من مجموعة متعاونين مأجورين تعيش في كنف الإحتلال وتأخذ شرعية وجودها منه وتمويلها. وترفض حق مبدأ المقاومة وتشترك مع الاحتلال في التجسس والحرب عليها. وحتى عائلة رجل الأمن المستفيدة من مال السلطة تلعن السلطة.
هذه السلطة يجب التخلص منها أو نزع هوية تمثيل الفلسطينيين المزورة وقرارهم منها. وهذه المهمة باتت صعبة على شعب الضفة الذي يقع تحت القبضة الأمنية المزدوجة من قوات وأجهزة الإحتلال وأجهزة سلطة أوسلو المتغلغلة بين منازل الضفة وأهلها. ولا أعتقد بأن هناك قبضة أمنية تساويها في أي بلد في العالم لتوفر ظروفها ناهيك عن أنه تمت تصفية أو سجن الألاف من الناشطين السياسيين والمقاومين في الضفة. فهل استنساخ ثورة أطفال الحجارة ممكن أو ناجع أو كافٍ لتحقيق غرض إسقاط سلطة أوسلو؟ أم أن الأمر أصبح كما أعتقد من اختصاص نخب الشعب الفلسطيني في الشتات. أما كيف فأقول.
علينا أن نؤمن أولاً بأنه لا تعايش بين القضية الفلسطينية ومكوناتها وبين وجود السلطة بصفتها الحالية أو أية صفة جديدة. فهي في المحصلة النهائية آيلة للحل والخروج من الضفة بهيكلية أخرى وبمهمة “إسرائيلية جديدة كأن تتحول لجسم سياسي كالحزب يتبناه نفس المتبنين للسلطة لأداء مهمة المرحلة القادمة. فهذه السلطة قوامها رجال خونة مجندون مستفيدون لا يمكن للكيان أن يفك ارتباطه بهم وسيشكلون بؤرة المتحور الجديد للسلطة.
ولذلك لا بد من استباق الأمر واستثمار حوالي 12 مليون فلسطيني في الشتات وإيجاد تمثيل سياسي وطني لهم. إنها باتت مسؤولية النخب الفلسطينية في الشتات لصنع البديل السياسي عن السلطة وهياكلها الحالية أو متحورها من خلال مؤتمر وطني. والمال والعون اللوجستي لن يعجزهم. وسيجدون الحضن الدافئ وإنْ عزّ وجوده في بلد عربي أو إسلامي فليكن حتى في فنزويلا أو جنوب أفريقيا.



