اخر الأخبارثقافية

عن رفح النازحة

ياسمين العابد
ما زالت الحرب تنشب نيرانها في رحم المعاناة، حتى تمخّضت منها قصص البؤس والقهر والنزوح، حكايا تدثّرها خيام الهمّ والألم، وتمتطي صهوة العزم والإصرار للاستمرار في خوض المعركة، حتى لو كان الموت هو المفر من جحيم البقاء. الخيمة أصبحت حلم الجميع، وأصبح الحصول عليها في غاية الصعوبة، فكيف لا وهي تسرق من المخازن ويتم بيعها في الأسواق السوداء بأثمن الأسعار.

أعواد كبريت وشمعة نازح
في خيمة تهمي بدمع مالح
تذكي على قهر الرجال جهنمًا
والبرد يمخر في الفؤاد النائح
نحيا الجحيم بكل ألوان الأسى
مقتًا. وتنزف بالعتاب جوارحي.
نفكر في عملية نزوحٍ جديدة من مدينة رفح إلى مواصي خانيونس أو دير البلح، ولكن كيف ذلك؟ تدور في رأسي عشرات الأسئلة حول عملية النزوح، هل يوجد مكان آمن فعلًا؟ أين تتواجد هذه الأماكن بالفعل؟ هل وسائل المواصلات متوافرة وما هي طرق تأمينها؟ وكم هي أسعار النقل؟ هل تتوافر وسائل الحياة الأساسية مثل الماء والأسواق والمخابز في هذه الأماكن؟ العديد من الأسئلة باتت تنشلني من حالة الاستقرار إلى مواطن التيه، ولا إجابة لديّ سوى البقاء في دوامة العجز.
مشاهد النزوح، شاحنات النقل، عيون التشرّد، ودموع الكبرياء، كلّ ذلك ضمن تراجيديا الحرب التي تقودنا من قهرٍ إلى قهر ومن وجع إلى موت بطيء. كلّ هذا كان كفيلًا بأن يقتلنا آلاف المرات، أيّ نكبةٍ هذه التي قتلت فينا روح الحياة، خسرنا فيها بيوتنا التي دفعنا أعمارنا وأحلامنا في بنائها وتأسيسها، ضاع البيت وضاعت حياة أطفالنا، تم قصف المدارس والمساجد والمخابز والمستشفيات والمرافق الحياتية بشتى أنواعها. ما الذي ينتظرنا خلف هذا الشقاء؟ أيّ بركان سيلفظنا بعد هذا الجحيم؟ ومتى سنعود كي نلملم ما تبقى منا؟

يا طينُ عد بي طفلة في صبحها
سحر الزنابق. صوتها نجواكا
تلقي السلام على الحياة بضحكة
حتى يبلسم خدّها كفاكا
ماذا تبدَّى كي يبارحنا الشقا؟
وتثور آهي في جحيم نهاكا
ما عدت أقدر أن أواصل ثورتي
خذني إليكا فغايتي لقياكا
كأن هذا الكابوس لا يريد أن ينتهي، نمضي به من هاجس إلى هواجس أشد عنفًا من سابقتها
العجز ينهش في ضلوع الصبر، والجوع يلوك من لحمنا ويجرع من دمائنا دون شفقة، والخذلان يمتطي ظهر أمة لا تعرف للكرامة أيّ معنى، نعيش في تيهٍ لا خلاص منه سوى وحشة القهر والعجز والأسى. ما زالت عائلة زوجي في شمال غزّة، في مراكز الإيواء، لم يتبق لهم سوى الله ورحمته بهم، بعدما أنهكتهم الحرب ونالت من كبريائهم. ها هم ينتظرون رحلة نزوح جديدة إلى غرب غزّة، بعدما شهدوا المئات من المذابح وعانوا من القهر والجوع والمرض، ها هم يحملون ما تبقّى لهم من عزيمة للعود بحياة أطفالهم، لأنهم يعلمون جيدا غضبة الحرب ولوعتها، نالت منا الحياة، لم نعد نفكر فينا، في ملامحنا التي شاخت، في آمالنا التي احترقت، كل ما نفكر فيه هو موت بلا ألمٍ..
يا طين قل لي ما الذي أبكاكا
تجري على كف المنون دماكا
يا طين قل لي ما الذي أدمى المدى
فتخضبت من مقلتيه رُباكا
كلّ شيء تغيّر حتى تبدلت في أحداقنا الرؤيا، لم نعد ننظر للمرايا في زمن الشقاء، مرآتنا هي الأحداث التي تثبت لنا من هم أحبتنا، ومن هم أهالينا، تغيّر الوقت وتكدر العمر وشاخت ملامحنا ونحن ننتظر المصير. الصبر ينفذ، والعمر يمضي، والأحلام تضيع، ضاقت بنا السبل ولم يتبق لنا سوى البكاء والشكوى.
ظلّي الشريد يداري حرّ دمعته
وكم سفينٍ هوت في غيهب الحتف
من خيمتي لـ “المواصي” ظلّ يتبعني
وحش المنايا، ضياعُ الأهل والإلف
لا صبر عنديَ لا آمال، لا وطن
ما دمتُ أهرب من موتٍ إلى قصف

استيقظنا من جديد على أمل النزوح، قمنا بفك خيمتنا وطويها، وجمعنا أمتعتنا وكلّ ما نحتاجه للنزوح إلى مخيم النصيرات بعد رحلة عناء طويلة ومريرة قبل ذلك في رفح التي وصلناها من شمال غزة. ولكنها إرادة الله فوق كل شيء، تم نشر بعض الأخبار عن عمليات نزوح من دير البلح والنصيرات إلى الجنوب، ولا نعلم مدى صحة هذه الأخبار، ولكننا أخذنا قرارنا، فطالما هناك خطر، فالبقاء في رفح هو الأفضل، ولا مفر من الموت مهما طال هروبنا.

يا لهف قلبي. فهذا الموت أترعنا
وضجّت الآه. يكفي طيرنا ذُبِحا
جهنم العجز آمال قد احترقت
وفيلق الشر في أرجائنا نبَحا
كيف الخلاص؟ أغيثوا ضعف أمتنا
أين الملاذ؟ فجور النائبات رحى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى