اخر الأخباراوراق المراقب

نهج إقامة مجالس العزاء

حرص أئمّتنا عليهم السلام على إحياء ذكرى عاشوراء، وحثّوا أصحابهم على إقامة مجالس الحزن والبكاء في كلّ عام. وكذلك فعل علماء الدّين، الذين ساروا أيضاً على هذا المنوال، مقتدين بأئمّتهم عليهم السلام في السعي إلى نشر هذه الثقافة الحسينيّة، وفي حثّ الشيعة على إحياء المجالس وإقامتها.

ويمكن القول: إنّ هذه العوامل المتقدّمة أسّست لقيام سُنّةٍ ثابتة استطاعت أن تُخلّد في النفوس ذكرى ثورة كربلاء وثوّارها، محوّلةً إيّاها إلى مدرسةٍ خالدة تستلهم الشعوب منها الدروس والعبر في مواجهة الطواغيت في كلّ عصرٍ وزمان، وتعلّمت منها كيف أنّ شعار “يا مظلوم” يمكن له أن يُهلك كلّ ظالم.

وبهذا استطاعت كربلاء النفوذ إلى أعماق قلوب الناس وأرواحهم، وامتزجت بمعتقداتهم الفكريّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، لتزرع في قلوبهم نفوراً دائماً وكراهية شديدة للظلم والظالمين، ما كان له أثر كبير في الحفاظ على نضارة التعاليم الإسلاميّة وحيويّتها.

وقد لاحظ كثير من المفكّرين ما للمجالس الحسينيّة من الآثار والمنافع والبركات الكثيرة، فهذا (مارتين) – الكاتب الألمانيّ – يعترف بأنّ المنابر الحسينيّة إذا ما أحسن المسلمون استغلالها وتنظيمها فهي من أهمّ العوامل والأسباب لتقدّمهم وارتقائهم.

وبالرغم من الأهمّيّة القصوى والمقام الرفيع الذي تحتلّه قضيّة عاشوراء في الفكر والثقافة الإسلاميّين، إلّا أنّنا نجد أنفسنا هنا مضطرّين إلى الاعتراف بأنّ هذه القضيّة اليوم قد فقدت كثيراً من عمقها ومحتواها في المجتمع الإسلاميّ، بسبب الغفلة عن حقيقة مضمونها، وعن رسالتها الأصليّة، وهي إحقاق الحقّ ورفض الظلم وتحقيق العدالة.

فلو ركّز المجتمع الشيعيّ الموالي لأهل البيت عليهم السلام اهتمامه على مضمون الثورة الحسينيّة ومحتواها، وتعلّم من وحي دروسها الكبرى، لكان من أكثر المجتمعات الإنسانيّة رقيّاً وتقدّماً ولكن، وللأسف الشديد، أنّ السماح لبعض النواقص والسلبيّات بالنفوذ إلى قراءة العزاء حال، ويحول، دون استفادة المجتمع الشيعيّ منها بشكلٍ كامل.

إنّ تطوير مجالس العزاء وترشيدها وتقويمها يتطلّب الوقوف في وجه تلك النواقص والأمور السلبيّة تحت ظلال توصيات وإرشادات مراجع التقليد العظام وعلماء الدّين العاملين الذين لهم خبرة ومعرفة بالأخطار التي تهدّد قضيّة عاشوراء، وذلك من خلال إظهار قضيّة عاشوراء بدقّة، وتقديمها للناس بصورةٍ جليّةٍ، والتركيز على جوهرها وحقيقة مضامينها، وعلى كلٍّ ركن من الأركان التي تتشكّل منها هذه المجالس أن يتحمّل المسؤوليّة والوظيفة الملقاة على عاتقه، كلّ حسب قدرته وطاقته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى