حزب العمال؟ ما بيفرقش!

بقلم: علي الزعتري..
أتمنى أن لا ننتشي بفوز حزب العمال البريطاني أملاً أن يحقق رغباتنا الوطنية في فلسطين. لقد فاز هذا الحزب على غريمه المحافظ ليس لفلسطين بل للتغيير الداخلي الذي يريده رعايا المملكة المتحدة في الإقتصاد وتبعاته على المواطن وحياته. أما فوز مناصري فلسطين فهو مهمٌ بالطبع لكن من انتخبهم سينظرون ملِّياً لمساهماتهم المتعلقة بتيسير حياتهم الداخلية أكثر مما ستكون عليهِ مواقفهم بشأنِ سياسة الحزب الخارجية. وإن كنا سنرى مواقف حماسية في مجلس العموم بخصوص فلسطين فإن سياسة المملكة المتحدة لن تتغير في الجوهر ولنتذكر أن الدول التي تناصر فلسطين في أوروبا والتي اعترفت بالدولة الفلسطينية لم تكن في يومٍ منتدبةً لتحكم فلسطين كما كانت بريطانيا العُظمى وأن هذا الانتداب هو الذي جاء بالويلات والعذابات لفلسطين والعرب وأن حكومات العمال والمحافظين على حدٍّ سواء لم تكن يوماً نصيرةً لفلسطين أو أي قضيةِ تَحَرُّرٍ عربيةٍ بالمعنى الذي نريده.
ألمْ يكن طوني بلير رئيسَ وزراءَ عُمَّاليِّاً وشريك جورج بوش الإبن الجمهوري حتى النخاع في احتلال العراق؟ بل أن آثار بلير السلبية استمرت بترأُسِهِ اللجنة الرباعية واستشاراته الاستراتيجية لدولٍ في المنطقة سارعت في التطبيع وفي عقد الشراكات الصهيونية العربية. ثم ألَمْ يأتِ وعد بلفور عام ١٩١٧ في ٢ نوڤمبر منه في عهد وزارةٍ عُمَّاليةٍ كان يرأسها ديفيد للويد جورج بين ١٩١٦ و١٩٢٢؟ منذ ذاك اليوم المشؤوم لم تبزغ من الحكومات العمالية بوادر مخلصة تجاه فلسطين والفلسطينيين بل هم ساقوا ذات الطرح البريطاني الاستعماري. شَذَّ البعض من قيادات عمالية مثل رئيس الحزب السابق جيريمي كوربين الذي جاهرَ بمساندته لفلسطين ولم يرأس وزارةً بل خسر الانتخابات وعوقبَ لنزعاته اللاسامية كما أشاع أعداءه ومنهم رئيس الحزب الحالي ورئيس الوزراء گيير ستارمير.
بالرغم من الرغبة أن لا نتخذَ من الحياةِ الزوجية دليلاً للسياسات المتوقعة لكن هناك من الأدلة في دول عديدة على تأثير هذه الحياة على السياسي فكما قالوا أن الهامس الأخير في الأُذن بعد يوم عملٍ طويل هو الزوج أو الزوجة. رئيس الوزراء ستارمير متزوجٌ من سيدةٍ دينها اليهودية، وهو كما يقال ملحد، لكنه يتوقف عن العمل في مساء الجمعة ويذهب للمعبد اليهودي تقديساً واحتراماً للديانة الزوجية. هو أقرَّ بحق إسرائيل قطع الماء والكهرباء عن غزة في سياق ما أسماه حماية أمنها وإنْ رَبَطَ ذلك باحترام القانون الدولي. في عام ٢٠٢٠ قال أن الحزب يجب أن يسعى لإعادة اليهود الذين انسحبوا من الحزب بسبب مواقف كوربين الذي كما قال ستارمير جاء بالوصمة اللاسامية التي أصابت الحزب. كما إن موقفه العُمَّالي المؤيد لإسرائيل هو في تناغمٍ كامل مع موقف جو بايدن مما كلَّفَ حزبهُ خمسة مقاعد ذهبت لمستقلِّين من مؤيدي فلسطين على حساب أعضاء عُمَّاليين. لكن خمسةً لا يغيرون كثيراً. لماذا؟
في عام ١٩٥٧ تأسس تنظيم “العمال أصدقاء إسرائيل” ليربط حزب العمال بالكيان الصهيوني وحزب العمال الصهيوني ولينجح في وضع مرشحين بريطانيين عمال في أماكن اتخاذ القرار لمساندة الكيان، وليدعم الحزب بالتمويل. في عام ٢٠٢٠ كان ربع البرلمانيين العمال وثلث حكومة الظل العمالية من هؤلاء الأصدقاء. بل أن وزير الخارجية البريطاني الجديد ديفيد لامي صديقٌ بارز. زار فلسطين المحتلة لتثبيت الصداقات وشددَّ على حق الكيان في الدفاع عن نفسه، بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣. ويدينُ لِمُمَوِّلٍ يهودي للحزب بنجاحه في دراسته الجامعية العليا في جامعة هارفارد.
بلى، قد نرى ونسمع ما يجعلنا نتفاءل لكن الثمرة لا تسقط بعيداً عن شجرتها والماء لا يصير زيتاً. لقد حاول جورج غالاوي من داخل مجلس العموم وخارجه ولم ينجح. في السياسات الخارجية العمال والمحافظين في بريطانيا هم مثل الديموقراطيينوالجمهوريين في أمريكا، يتبعون المصلحة، لكن مسيرهم ومصيرهم واحدٌ في الإلتزام بإسرائيل، مثلما تقود سيارةً في طريقٍ سريع لوجهةٍ معروفة لكنك تتبادل المسارب والسرعات نحو هذه الوجهة. ثم أن الضغط الأمريكي في حال جاء دونالد ترامب رئيساً سيكون عاتياً على بريطانيا مما سيجعل أي خطوةٍ إيجابيةٍ في السياسة الخارجية تجاه فلسطين خاضعةً لتدارسٍ متعمق خشيةً من أمريكا و من الأصدقاء اليهود. والله أعلم.



