طوفان الأقصى.. تحولات إقليمية ودولية

بقلم: مازن النجار..
منذ انطلاق ملحمة “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023، شهدت قضية فلسطين والعالم، في برهة من الزمان، تحوّلات فارقة لم يشهدها قرن من الصراع العربي-الصهيوني والكفاح الفلسطيني للتحرر الوطني، وما لحق بالأمة من إهانة ومظلومية تاريخية منذ الحرب العالمية الأولى ووقوعها في براثن الاستعمار الغربي.
لا تقتصر هذه التحوّلات على ما يشهده العالم من صحوة تناصر قضية فلسطين ورواية النكبة الفلسطينية، شملت الجنوب العالمي ومراكز المتروبوليتان الغربي وعواصمه، بل ومدناً صغيرة بمختلف أصقاع الغرب، طارحةً بقوة أسوأ كوابيس الصهيونية: تجريم “إسرائيل” وإسقاط شرعيتها، خاصة لدى الأجيال الجديدة.
يمكن إذاً إجمال التحوّلات الإقليمية والدولية لـ”طوفان الأقصى” في قضايا ستنعكس بالضرورة على النظام الدولي:
–عودة قضية فلسطين إلى صدارة اهتمام العالم بعد عقود من تنحيتها وطمسها وتصفيتها واختزالها، وانطلاق حركة تضامن عالمية معها، وتحركات وقرارات مهمة في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة، واعتراف دول غربية عديدة بـ”دولة فلسطين”، وخروجها عن الموقف الأمريكي.
– كشفت الملحمة المتواصلة منذ 9 أشهر عن شقوق وصراعات عميقة في المجتمع الاستيطاني الصهيوني، وانقسامات بالغة، وكراهية متأصلة بين فئاته السياسية والدينية والأثنية في ذروة الحرب العدوانية على قطاع غزة.
– انحطاط الكيان الصهيوني استراتيجياً وارتفاع كلفة استمراره وحمايته على الإمبريالية العالمية وتآكل دوره في خدمة الهيمنة الغربية، وأظهر فشله عسكرياً نهاية فاعلية التقاليد العسكرية الغربية وعجز الحروب الكبيرة عن حل مشكلات كبرى، وعودة القلق الوجودي حول مستقبل الكيان، بل تطور إلى يأس وجودي لدى نخبه.
– تضعضع المرجعية الاستيطانية العالمية ومركزها في واشنطن في ضوء استعصاء بنيامين نتنياهو وتمرده عليها، وعجز واشنطن عن السيطرة عليه وضبط إيقاع الأحداث وتطوراتها.
– أدى انطلاق حراكات الاحتجاج الشعبي في الغرب والعالم ضد حرب الإبادة في غزة إلى انهيار السردية الصهيونية وتجريم “إسرائيل”، ونزع الشرعية عنها أخلاقياً وسياسياً وقانونياً وانكشاف أباطيلها وانتهاكها لبديهيات الإنسانية.
– انكسر شبه الإجماع الأمريكي على تأييد “إسرائيل” المطلق ودعمها، ودخول هذه المسألة نطاق عدم اليقين مستقبلاً، ما يحيل أمريكا إلى تحذير توماس جيفرسون، رئيس أمريكا الرابع وأحد الآباء المؤسسين من “الانخراط في مسعى رئيسٍ بأغلبية هشة”؛ وغدت معارضة سياسات الإدارة الداعمة للكيان قضية رأي عام واسع في عام انتخابي حرج، لأول مرة في تاريخ العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية.
– ونتيجة لدعم إدارة بايدن ومشاركتها في حرب الإبادة بغزة، يوشك الرئيس وحزبه على خسارة الانتخابات القادمة في تشرين الثاني 2024، وعودة الرئيس السابق دونالد ترامب والجمهوريين إلى البيت الأبيض، وما يستتبع ذلك من فوضى واضطرابات تمس بالدولة العميقة الأمريكية وسياساتها والنظام الدولي ومسار حرب أوكرانيا.
– تظهر خريطة أصوات الناخبين الأمريكيين المؤيدة للحزب الديمقراطي، والوزن النسبي لجناحه التقدمي والشباب بين 19 و26 عاماً والعرب والمسلمين، صعوبة وصول أي مرشح رئاسي ديمقراطي مستقبلاً إلى البيت الأبيض، بسياسات إدارة بايدن نفسها تجاه قضية فلسطين.
– أثبتت أحداث “طوفان الأقصى” قدرة حركات المقاومة أو “الفواعل من غير الدول”، مثل حزب الله وأنصار الله وحماس والجهاد الإسلامي والمقاومة العراقية، على التصدي للعدوانية الإمبريالية وردع العدو، وطوّرت- ولو جزئياً وتحت الحصار- قدراتها وفاعليتها.
– ارتبط ذلك بتراجع تغوّل الدولة (الوطنية) في بلادها أو غيابها، وتُنبئ هذه الحالة بأن تفكيك الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين سيترافق غالباً مع اضمحلال الدول (الوطنية) عربياً، بعد قرن من الهزائم والقمع والفساد وإذلال الأمة.
–في ضوء ما أسفرت عنه “طوفان الأقصى” حول موقع الكيان الصهيوني في النظام الدولي (الاستيطاني)، ستدرك القوى العالمية والإقليمية الساعية لنظام دولي متعدد الأقطاب، أن تفكيك الكيان الصهيوني أحد مفاتيح تفكيك النظام الدولي الراهن، ما يعني قيام حركة دولية لتحرير فلسطين وتحرير العالم من سيطرة غربية دخلت طور النهاية كما لاحظ كُثر، كالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكنها تنتظر نهوض القوى المتحدية وتحركها.
– أظهرت الانتخابات النيابية في فرنسا، تحوّلاً في الخريطة السياسية وصعود اليسار، المنخرط بقوة في حراكات تناهض حرب الإبادة بغزة وتناصر قضية فلسطين، وتصدّرت الفائزين وجوهٌ مألوفة في تلك الحراكات تشدد على اعتراف فرنسي قريب بدولة فلسطين. وكذلك، بدرجة أقل، الانتخابات البريطانية التي جاءت بأغلبية تاريخية لحزب العمال وهزيمة ساحقة لحزب المحافظين وقيادته “الهندوسية” المتصهينة التي تدعم عدوان “إسرائيل” وتشوّه الاحتجاجات ضده. وأشار رئيس الوزراء العمالي المنتخب، كير ستارمر، إلى حتمية قيام دولة فلسطينية، وشدد وزير خارجيته، ديفيد لامي، على موقف متوازن من الصراع وإنهاء الحرب في غزة وإغاثتها، وانعزلت الجيوب الصهيونية في البلدين في نطاق الفاشية واليمين العنصري المتطرف.



