العراق.. هل نقول للعرب: “أرجعوا من حيث أتيتم” كما هم فعلوا؟

بقلم: محمد المعموري..
سَمعتها وسمعها بعض العراقيين الذين كانت تحملهم الشدة وهم يغادرون العراق في سنواته الأولى من الاحتلال، وفي تلك الأيام كان العراقي بأشد الحاجة لوقفة عربية وهو الكريم ابن الكرماء الذي أراد البربري الأمريكي سلب كرامته ولكن “خسئوا” فكان جنودهم يفتعلون مسيراً في شوارعنا لكي يبقى العراقي يسير خلفه، وإذا ما حاول فقط الاقتراب منه فان مصيره الموت، ولا يمكن لأي مواطن عراقي ان يتجاوز “أرتالهم” بمركبته وان فعل فمصيره الموت، أما إذا كان في طريقه وكان الأمريكان “خلفه” عليه ان يترك الشارع وان كان بجواره نهر وإلا ستسحق سيارته وهو بداخلها.
لم نرَ أية “فزعة” من أي عربي بل أصبحنا غير مرحب بنا بعد ان كان العراق ملجأ وورشة عمل لكل من هبَّ ودبَّ، واذكر بل استرجع دائما ذاكرتي لحادثة حدثت لي وأنا كنت أعمل في احدى الشركات الخاصة وكان مالكها يديرها من خلالنا وهو اتخذ من “عاصمة عربية مجاورة لنا” اقامة بعد تدهور الوضع الامني بسبب الاحتلال الأمريكي، فارسل يطلبني بالحضور اليه لمناقشة مشاريع كنت اشرف على تنفيذها وكانت تلك اول زيارة “نويت” القيام بها الى تلك الدولة ولم تتحقق وكانت الأخيرة، كانت زيارتي في أوائل شهر كانون الثاني، فكان شتاءً بارداً، قارصاً، وبعد ان قطعنا مسافات بطريق طويل وصلنا بعد الظهر الى الحدود بيننا وبين تلك الدولة العربية التي هي في غرب العراق..، ولم تكن هناك بوادر لدخولنا على الأقل هذا اليوم، وفي عصره اغلقت تأشيرة الدخول فاضطررنا ان ننام بين الحدود العراقية وحدود تلك الدولة تحت سقف “السيارة” وقد أخذ البرد يدخل ليمس عظامنا حتى الصباح وعند الصباح انتظرنا في انتظار قاتل حتى وصلنا الى منطقة تسليم الجوازات عند العصر، فسلمنا جوازاتنا وبدأنا نعد ساعات الانتظار، بعدها خرج علينا ضابط من باب استلام الجوازات يحمل بيده مجموعة من الجوازات ينادي بأسماءِ حامليها ثم يرمي من بُعدٍ كل جوازٍ لصاحبه وهو يصرخ بصوت مرتفع متعالٍ (اذهب من حيث أتيت) كانت كلماته أشد من قسوة الاحتلال ونيرانه، ونظرت الى من حولي فوجدتهم متعجبين، أهكذا يعامل العراقي؟!، وهل فعلنا هذا بهم؟.
رأيت أماً تبكي عند باب الجوازات وتقول لهم ابنتي هناك… ولكن بلا رحمة؛ (اذهب من حيث أتيت)، أخذت جوازي وكأنني لا أرى أي شيء أمامي وكان معي من كان من العراقيين الذين منحتهم “الجارة العربية المسلمة الشقيقة” هذا الألم فذهبنا غير بعيد نبحث عن سيارة لتنقلنا أو نبقى بين الحدود بذاك البرد وبهذه النفسية التي قتلها العربي دون ان يراعي عروبته، وجدنا عجلة حاولنا اقناع صاحبها بان يحملنا الى بلدنا، كان رافضاً لأنه يعلم بمخاطر الطريق ليلا وبعد الحاح وزيادة في الأجر أقتنع السائق فتحركنا في طريق لا نعلم مخاطرهُ، كان الموت أجمل الخيارات وكان القرار صعباً لان الامريكان يتحركون ليلا هناك “حسب ما عرفنا من السائق” وإذا تعارضنا معهم في الطريق ربما يقتلوننا، ولكن كان القرار الذهاب، لم يكن الطريق سالكا دون الارتال الأمريكية فكل مرة كنا نترك الشارع لنذهب بعيداً عنه عندما نشاهد تحركهم، ليل طويل وخذلان أكبر وعروبة تجردت من العرب وقلب تكسر فأننا بين محتل غاشم وبين حدود لعرب تنكروا لعروبتهم وبكل قسوة و(…) عاملوا هذا الشعب العظيم شعب الكرم والخير بهذه المعاملة القاسية وبهذا النكران، تذكرتها وأنا وكل العراقيين نتألم على موقف العرب من غزة وتذكرتها وأنا اقرأ تعليق لأحد القراء على مقالي في أحد المنابر العربية الحرة وهو يكتب تعليقه (إطلاق صفة العم والأخ على هؤلاء الخنازير ترامب وبايدن فيها اهانة لكل عربي..) وأين العرب؟!، وهل مازلنا نعتقد اننا نستطيع ان ننتخي بهم ونعيش في حماهم، أين العرب من غزة وأين العرب من السودان وبين السودان والعراق أين هم من اليمن عندما كان العربي يقتل ابناءهم وبعدهم أين العرب من غزة؟.
فهل نصدق اننا بين اخوة عرب، والعرب يا عرب تخلوا عن العراق بأزمته وتركوا ابناءه يقتلون دون ان يتحرك عربي لنجدتهم… العرب يا عرب منعوا تأشيرة الدخول عنا وهم يتفرجون على شبابنا وهم يقتلون “بهمر” امريكي أو يقيدون في سجونهم… وهكذا هم بعض العرب كما ترك العراق جريحا وحيدا اليوم يقتل شعب غزة وهم يتفرجون بل هم من يساعدون العدو على قتلهم واستباحت دماءهم، ويا ليتنا كنا بجوار غزة، كنا أقل شيء نقدمه هو بيوتنا تؤوي أطفالهم ونساءهم وشيوخهم، ولا يمكن (لأبن العراقية) ان يتركهم وحدهم مع موت ينتظرهم وجوع يوقظ ابناءهم دون ان يكون لهم سند وعز، ولكن …
هل رأيتم عراقياً يقول لعربي “اذهب؟ من حيث أتيت”، طبعا لا؛ قالوها لنا… فهل ننسى؟ أم اننا شعب كريم لا ينسى ولكنه غلبت عليه صفات الكرم فتناسى والآن العرب يتغنون بكرم العراقي وهم يدخل لعراقنا الذي سيكون بأذن الله قبلة للشرق وملاذاً للعرب.
لن نقول لكم “اذهبوا من حيث أتيتم” بل: أهلا بكم من حيث أتيتم (ولكن)….



