لوحات محمد كريم .. وجوه دون ملامح في لحظات تأريخية ونفسية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى د. سعد السلطاني أن الفنان التشكيلي محمد كريم عندما يقوم برسم وجه إنساني،فإنه يقوم برسم “حالة الوجه” في لحظة تأريخية أو نفسية من التشوش والضياع مع غياب تام للملامح.
وقال السلطاني :”في لوحة “كل شيء ضبابي”، لم يكتفِ الفنان محمد كريم برسم وجه إنساني، بل رسم “حالة الوجه” في لحظة تأريخية أو نفسية من التشوش والضياع. الملامح ليست موجودة لتحديد الهوية، بل لتحديد “الموقف التعبيري”؛ فالفم مطبق، والعينان غائرتان خلف الغمام، واللون الأحمر يصرخ صمتاً. إنها قراءة بصرية للروح البشرية وهي تصارع الحجب والتلاشي”.
وأضاف: إن” أعمال الفنان محمد كريم تضعنا في قلب المدرسة التعبيرية التي تهتم بنقل “الزلزال الداخلي” للإنسان بدلاً من ملامحه الخارجية. عند مقارنة أسلوبه في “يوميات رجل مهزوم” بفنانين عالميين، نجد تقاطعات فنية وفلسفية مثيرة للاهتمام:. فرانسيس بيكون تشويه الجسد كأداة للألم حيث يعد “بيكون” الأب الروحي لتصوير العزلة الإنسانية من خلال “تشويه” الهيأة البشرية.
وأوضح أن”نقطة التشابه هي أن كلاهما يستخدم تسييل الخطوط وضياع الملامح للتعبير عن المعاناة. الرجل في لوحة محمد كريم نهاية يذكرنا بصرخات صامتة في لوحات بيكون، حيث يذوب الجسد داخل فضاء اللوحة وكأنه يتلاشى تحت وطأة الضغط النفسي ,وأما الاختلاف ،فبينما يميل بيكون للرعب الصريح والمساحات المغلقة يميل محمد كريم نهاية إلى الشاعرية الحزينة واستخدام الفراغ المفتوح الذي يوحي بالتيه والضياع لا الحبس”.
وتابع إن ” الفنان الثاني الذي يقترب منه محمد كريم هو ألبيرتو جياكوميتي من خلال نحافة الوجوه فرغم أن جياكوميتي اشتهر بمنحوتاته، إلا أن لوحاته تحمل نفس فلسفة “الرجل المهزوم ونقطة التشابه هي التركيز على الهشاشة. الشخصيات عند جياكوميتي ومحمد كريم نهاية تبدو كأنها “خيوط” أو بقايا بشر. هناك تركيز على فكرة “الرجل الذي يمشي رغم انكساره، وهي حركة توحي باستمرارية الألم وأما من ناحية الرمزية فكلاهما يختزل الإنسان في “جوهر” المعاناة، مجرداً من الثياب أو الزينة أو المكان المحدد “.
وواصل : إن ” الفنان الثالث الذي يتشابه معه محمد كريم إدفارد مونك الانفعال اللوني فلا يمكن الحديث عن التعبيرية دون ذكر صاحب “الصرخة”.
وبين أن”نقطة التشابه هي استخدام ضربات الفرشاة الدوامية.. في لوحة محمد كريم نهاية، نلاحظ أن الخلفية والجسد يتبادلان التأثير عبر خطوط متموجة، مما يخلق إحساساً بأن البيئة المحيطة “تضغط” على الرجل، تماماً كما في سماء مونك الملتهبة التي تعكس قلق البطل واللون كرسالة مثل استخدام اللون الأحمر في أماكن غير متوقعة (كالصدر أو الظهر) عند الفنان العراقي يشبه توظيف مونك للألوان الصارخة لتمثيل الصدمة أو النزيف النفسي”.
وأشار الى أن ” العمل الفني للفنان التشكيلي محمد كريم والمعنون بـ “رجل وامرأة” هو تجربة بصرية عميقة تغوص في سيكولوجية الانكسار والارتباط الإنساني في ظل الهزيمة فاللوحة ليست مجرد تصوير لشخصين، بل هي تجسيد لحالة “الملاذ الأخير”. في سياق عنوان المعرض “يوميات رجل مهزوم”، يظهر الرجل والمرأة هنا ككيان ملتحم يحاول الصمود أمام “تسونامي” من الخيبات أو الفوضى المحيطة. الهزيمة هنا ليست استسلاماً، بل هي تجربة وجودية يتم تقاسمها”.
ولفت الى أن المركزية والالتحام في اللوحة حيث يتوسط الشاخصان (الرجل والمرأة) اللوحة، فيغيب الوضوح التشريحي لصالح الكتلة. هذا التلاحم يوحي بأن الفردانية تلاشت أمام المصير المشترك؛ لم يعد هناك “هو” و “هي” بل وحدة شعورية واحدة و يدمج الفنان بين الأشكال شبه التشخيصية والخلفية التجريدية العنيفة، مما يجعل الشخوص يبدون وكأنهم يخرجون من رحم الفوضى أو يغرقون فيها”.
وبين أن” التكوين يعتمد على مستويات أفقية متداخلة (الخلفية) تتقاطع مع الوقوف العمودي الهش للشخصين، مما يخلق توازناً قلقاً يعكس عدم الاستقرار كما أن طغيان اللون الرمادي، الأرجواني الباهت، والأسود يعزز شعور “الكآبة النبيلة” أو الحزن العميق فيما تبرز ومضات من اللون البرتقالي/الناري وسط السواد والرماد. هذه الومضات يمكن تفسيرها كبقايا “صراع” أو “أمل محترق” أو ربما هي الشرارة الوحيدة المتبقية من العاطفة وسط ركام الهزيمة”.
وأكمل أن” المساحات البيضاء المُغبرة في أعلى وأسفل اللوحة تمنح العمل “نفساً” بصرياً، لكنه تنفس مخنوق يوحي بالضياع في فضاء مجهول كما يبرز في العمل استخدام السكين أو ضربات الفرشاة الخشنة والمحملة باللون ، مما يُضفي ملمساً خشناً يعكس قسوة الواقع الذي تعيشه الشخصيات. التراكم اللوني والخدوش في اللوحة يعطيان انطباعاً بأن هذه “اليوميات” قد حُفرت في الذاكرة ولم تُكتب فقط”.



