في ذكرى استشهاد وَلدَي مسلم بن عقيل والتذكير بأزمة الضمير

محمد علي جواد تقي..
بسم الله الرحمن الرحيم ” ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً”.. أي واحد منّا يُستفزّ إذا شاهد أباً يصفع وجه ابنه ظلماً دون وجه حق، حتى وإن كان رد الفعل إزاء خطأ ما من الابن، فإن الضمير العام للمجتمع يستنكر هذا الفعل، لان نتائجه ستكون أكثر فداحة وخسارة من ذلك الخطأ.
هذه المقدمة التربوية البسيطة ارتأيناها لتخليد ذكرى أليمة على قلوب المؤمنين، وعلى قلب كل انسان في العالم، فما جرى على ولدي مسلم بن عقيل بن أبي طالب، عليهم السلام، ليس حادثة تأريخية عابرة، ربما نجد نظائرها من القسوة والدموية على مر التاريخ، بيد أن المائز في هذه الحادثة؛ تحول كلٌ من محمد وإبراهيم؛ ولدي مسلم، الى معلمين للأجيال على الرحمة والشفقة، وتذكير الانسان على مر التاريخ بحاجته بين فترة وأخرى للتحقق من مستوى يقظة الضمير ونشاطه، والوقاية من أمراض قاتلة للضمير تجعل الانسان مجرد أداة ميكانيكية تقتل الطفل الصغير والمرأة والشيخ الكبير وأي إنسان يراه عقبة في طريقه لتحقيق نزعات نفسية مثل حب المال والملك.
لكل شيء بداية ثم نهاية، فلا يحصل شيء بالحياة صدفة، وهذه حقيقة كونية وإنسانية، فما يصدر من الانسان من فعل وقول، وحتى موقف معين إنما يُعد نتيجة لجملة عوامل نفسية داخلية وأخرى من المؤثرات الخارجية، ومن أخطر هذه الأعمال؛ العنف الذي عزاه علماء الأخلاق الى قسوة القلب وغياب الضمير، وتغليب غرائز ونزعات نفسية على روح انسان كما حصل مع ذلك الرجل في تلك الصفحة الدامية من التاريخ عندما عاد الى أمه التي آوت ولدي مسلم بن عقيل الهاربين من سجن عبيد الله بن زياد في القصة المعروفة، وكانا من بين سبايا واقعة الطف، وقد صدق ظن الأم بخطورة الرجل على الغلامين لأنه كان في عداد جيش عمر بن سعد ممن شارك في قتل وسلب ونهب عيال الامام الحسين، عليه السلام، فمن المؤكد يكون من مقدمة اللاهثين على جائزة أمير الكوفة لمن يجد الغلامين الهاربين.
أخذ الرجل الغلامين وكانا على مقربة من نهر الفرات، وعزم على قتلهما لأنه سمع أن الأمير يعطي الجائزة لمن يأتي برأسيهما، فكان المشهد الدرامي المؤلم الذي يصلح لأن يكون أقسى مشهد في نصّ أدبي يستنهض الضمائر لشجب هذه الجريمة المروعة.
طلب الغلامان من الرجل أن يذهب بهما الى الكوفة لعل ابن زياد ينظر في أمرهما ويأخذ جائزته هناك، فأبى عليهما، كما لو أن الجائزة قتلت ضميره وقلبه قبل ان يقتل هو الغلامين.
وعلى ضفة نهر الفرات قام بذبح الغلامين وألقى بجثمانيهما في مياه النهر ليكون الفرات شاهداً مرة أخرى على جريمة تضاف الى قسوة القلب وانعدام الإيمان بالله واليوم الآخِر بمقتل الامام الحسين وأخيه ابي الفضل العباس، وأهل بيته واصحابه بالقرب من هذا النهر العجيب.
وكعادة الطغاة ومنهم؛ عبيد الله بن زياد ينفذون الأمر دون وعي منهم بمكافأة المُجرم بالطرد والمهانة والخسران، فقد قال له: ومن قال لك أني أريد رأسيهما، ولا أريدهما أحياء؟! فأمر بقتله فوراً.
لماذا قسوة القلب؟
لو نتصور أفعال قاتل ولدي مسلم حينما كان في عداد جيش عمر بن سعد، وما الذي فعله تحديداً ساعة الهجوم على خيام النساء والأطفال، ولو من الصعب هذا جداً، ولكن الوحشية في تلك الساعات وأعمال ضرب الأطفال وسلب النساء والاعتداء عليهنّ، يمثل قاعدة انطلاق لجرائم أخرى مشابهة.
نحن اليوم لا نشهد القتلى والدماء حولنا –على الأغلب- في مجتمعنا العراقي وسائر المجتمعات التي تعيش الأمن والاستقرار النسبي، نعم؛ في ظروف طارئة حصلت أعمال عنف طائفية في العراق، ومعارك مع عناصر إرهابية، كما أن شعوب أخرى عاشت وتعيش الموت اليومي، مثل الشعب اليمني بالأمس، والشعب الفلسطيني اليوم، ولكن كل هذا يمثل حالة طارئة على حياة المسلمين، ولذا نجدهم في لحظات الهدوء ووقف اطلاق النار يتكافلون ويتعاونون ويصلون جماعة لتعزيز الصلة بالله –تعالى- إنما المشكلة عندما يكون العنف والقسوة في حياة ملايين الأطفال والأسر، وهم في بيوتهم وداخل غرف نومهم، وهم يتابعون الأفلام والألعاب المشحونة بالعنف والقسوة وكل أشكال القتل.
هذا من الصعيد الخارجي، أما على الصعيد الداخلي فإن ثمة عوامل عديدة تقسّي القلب وتغيب الضمير الإنساني، ربما منها حبّ المال حبّاً جمّاً يدفع بصاحبه لفعل كل شيء للحصول على الكثير منه، وعندما يكون الطريق الى هذه الغاية مليئاً بالنفاق والازدواجية والكذب وفعل مختلف اشكال الموبقات والرذائل فإنه لن يجد لزوجته وأطفاله وأصدقائه حرمة واحتراماً، فضلاً عمن يراه في الطريق من أطفال او كبار في السن بحاجة الى مساعدة، ربما أقلها عبور الشارع والتوقف بسيارته الفارهة لحظات من أجلهم.



