اخر الأخباراوراق المراقب

الغدير ما قبل العاصفة

محمد علي جواد تقي..

عاد النبي الأكرم”ص” مع جموع المسلمين من حجة الوداع الى المدينة، وعاد المسلمون الى الأمصار الاخرى التي أتوا منها لأداء مناسك الحج للمرة الأولى والأخيرة مع نبيهم الكريم، وقد تحدَّدَ للأمة الخليفة والوصي من بعد نبيهم، أي أن علي بن أبي طالب عاد مع المسلمين، ومع كبار الصحابة وهو أمير للمؤمنين بشكل رسمي لا أحد يماري فيه لأنهم بايعوه بين يدي النبي في منطقة غدير خُم بأمر إلهي مباشر كما تجمع عليه المصادر التأريخية والروائية، وأنه أخذ بيد علي بن أبي طالب ورفعها عالياً وهتف بذلك الهتاف المدوي عبر التاريخ: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه”، وهذا جاء في ضوء نزول الآية الكريمة: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)).

يهمنا جداً فهم الظروف النفسية التي عاشها المسلمون خلال شهرين ونيّف من وجود أمير المؤمنين ورسول الله معاً على قيد الحياة، بعد تعيين أمير المؤمنين خليفة على المسلمين من بعده، صلى الله عليه وآله، فعندما نريد فهم حادثة تأريخية يتعين علينا معرفة تفاصيل حياة أبطالها والعوامل الداخلة المؤثرة في الحدث، وكيف كان نمط تفكيرهم، وسلوكهم وعاداتهم، وايضاً؛ مستوى ثقافتهم؟ لنعرف كيف تبخر حوالي مائة ألف انسان بايع في غدير خُم أمام شخص رسول الله، وهو خاتم الانبياء والمرسلين وأشرف الخلائق أجمعين، لمجرد أن أغمض عينيه وارتحل الى الدار الآخرة؟ ومن كان السبب وراء هذا؟

مُحمد لم يَمُت؟!

هكذا هتف عمر بن الخطاب بين الناس بعد انتشار خبر استشهاد رسول الله، وقال: “والله ما مات محمد! وإنما غاب كغيبة موسى عن قومه، وأنه سيظهر لكم بعد غيبته”.

هذا الموقف الغريب من شخص يعده جمهور واسع من المسلمين حتى اليوم من أقرب “الصحابة” الى رسول الله، يكفي لوحده تفسير العديد من المواقف الاخرى، وإماطة اللثام عن الشخصية الحقيقية لبعض من كانوا يحومون حول رسول الله، ممن أظهروا البيعة لأمير المؤمنين يوم الغدير، وأخفوا الرفض في قرارة أنفسهم، حتى أن الشيخ الصدوق –رضوان الله عليه- قال في “كمال الدين وتمام النعمة”: “إن عمر بن الخطاب أول من وضع الغيبة –كفكرة- في غير موضعها” من خلال حركته هذه، ويضيف في رواية مطولة أنه كان يكرر مقالته بين المسلمين “حتى ظن الناس أن عقله قد ذهب”.

لا ينبغي أن يسمع المسلمون نبأ رحيل نبيهم عن دار الدنيا حتى لا يتذكروا بيعتهم لأمير المؤمنين يوم الغدير ويهرعوا اليه ليجددوا البيعة كخليفة من بعد رسول الله، وهذه الحركة بحد ذاتها تشكل رسالة تهديد مبطنة لأفراد الأمة من مغبة التفكير بشيء من تلقاء أنفسهم، إنما يستعدون لتلقي الأوامر ممن هو أقوى منهم وفق المنهج الجاهلي.

هذا الموقف من عمر يعد جزءاً من حالة نفسية عامة كانت سائدة في تلك البرهة الزمنية الحاسمة، فلم يكن وحده، إنما كان هو أكثر بروزاً لخصائص في شخصيته ذكرتها المصادر التأريخية، فقد كان الى جانبه ممن يعدون “من كبار الصحابة” على نفس الرأي والمنهج في التعامل مع الغدير، وكان لهم دور فاعل في نكث بيعة الغدير، والتنكّر لما أمر به رسول الله، صلى الله عليه وآله، وحتى انتهاك حرمة أهل بيته، لذا نحن بحاجة الى مزيد من تسليط الضوء على تلك الفترة الزمنية الاستثنائية التي يمكن وصفها بـ “البرزخية” بين كون علي بن أبي طالب الخليفة وليس غيره، في حياة رسول الله، ومرحلة ما بعد رحيله، صلى الله عليه وآله.

كتبُ السِير تحدثنا عن قرار استراتيجي اتخذه رسول الله في الايام الاخيرة من حياته، وقد استشعر دنو أجله، وظهرت عليه علائم المرض، كما تقول المصادر، بما يدلّ على إصرار وتسامي على ما به من آلام من اجل تحقيق غاية عظمى للأمة في حاضرها ومستقبلها، فنادى بتعبئة شاملة لإعداد جيش جرار لمواجهة الروم وردّ استفزازاتهم على الحدود الشمالية للدولة الاسلامية، وتحديداً؛ بلاد الشام التي كانت حينها تحت سيطرة الدولة البيزنطية، وحسب المصادر فإن النداء استقطب حوالي مائة ألف مسلم يحمل السلاح، وحشد فيه كبار القادة العسكريين من وجوه المهاجرين والأنصار، أما قيادة هذا الجيش فجعلها لشاب صغير في السن هو؛ أسامة بن زيد، وهو ابن زيد بن حارثة الذي استشهد في معركة مؤتة مع جعفر الطيار ضد جيش الروم.

جرى بعض القال والقيل بين هذا وذاك في صفوف الجيش الإسلامي بسبب تنصيب شاب صغير في السن بوجود كبار قادة عسكريين، ومن هم أكثر خبرة وتجربة في الحروب، بيد أن اللغط الأكبر جرى خفيةً على الالتحاق بهذا الجيش أساساً والبقاء في المدينة بالقرب من النبي الأكرم، رغم إعلانه الشهير، وبشكله متكرر: “أنفذوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة”، بيد أن هذا اللعن يبدو أنه لم يكن كافيا لردع أشخاص يتطلعون الى ما هو أبعد من أوامر رسول الله، فبقوا في المدينة ولم يلتحقوا بجيش أسامة وهو متجحفل خارج المدينة.

المصادر التأريخية تشير الى أن الهمّ الأكبر لأبي بكر بأن يكون هو إمام الجماعة في غياب النبي لما يشكوه من مرضه، حيث كان يسير متكئاً على الفضل بن العباس، وأمير المؤمنين، ولم يكن يقوى على السير لوحده، بيد أن النبي على ما فيه من آلام، صلى بالمسلمين في المسجد، “وبعد أن فرغ من صلاته استدعى أبا بكر وعمر وجماعة ممن حضروا بالمسجد، وقد أزعجه عدم انضمامهم الى الجيش، وهو مقيم بالجرف في ضواحي المدينة، وقال: ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟! فقالوا: بلى يارسول الله، فقال لِمَ تأخرتم عن أمري؟ فقال ابوبكر: إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهداً! وقال عمر: إني لم أخرج لأني لا أحب أن أسأل عنك الركب”! (سيرة المصطفى- هاشم معروف الحسني)، طريقة كلام عمر يصعب وصفها وهو يتفوه بهذه الكلمات أمام آخر نبي على وجه الأرض في ساعاته الأخيرة، فهو يفضّل مخالفة أمره على أن يسأله الناس في أوساط الجيش عن خبر رسول الله وهو لا يعلم شيئاً عنه، إنه يريد أن يكون أول من يعلم!

لنتصور الفاصلة بين هموم النبي الأكرم وهو في مرضه، يفكر بمصير الأمة أمام تحديات ماحقة من جهة الشمال، ليعزز أركان الدولة الاسلامية ويمنحها القوة والتماسك أمام قوة عسكرية هائلة وسياسية كبيرة تريد الانقضاض على الإسلام برمته، وبين من يتطلع الى أن يكون في الصف الأول، او ان يكون إمام جماعة، أو يتصدر الناس بكل ثمن؟!

عليّ.. الخليفة غير السياسي

علي بن أبي طالب، منذ نعومة أظفاره وهو في حجر رسول الله، حتى شبّ وضرب بالسيف بين يديه، هو رجل دين، وأخلاق، وكتاب الله المجيد، وإنسانية، وليس رجل سياسة وسلطة، ودهاء، وانتهاز الفرص وتبرير الوسائل لتحقيق الغايات، لنتصور الوقت الراهن موقفاً مثل موقف أمير المؤمنين مع رسول الله، والامثال تُضرب ولا تقاس، وثمة تهافت على السلطة والحكم، وهو يجد نفسه أكثر كفاءة وجدارة في الدين والعلم والأخلاق على الآخرين، هل يتركهم يتسلقون الحكم؟ من المؤكد أول تبرير له؛ “عدم السماح للفاسدين والمنحرفين التلاعب بمصائر الأمة وتحقيق مصالحهم الشخصية تحت رداء الدين”، ومن اجل ذلك، ينتدب شخصاً ليقوم بالواجب مع الشخصية القيادية المعتلّة بدنياً، وعلى فراش الموت، وربما لا تكون ثمة شخصية قيادية، وإنما جماهير الشعب المهددة بالانحراف تحت وطأة الحرمان والخوف والقلق في ظروف أمنية وسياسية ومعيشية معقدة، تترك للأقدار والمحن ويتسابق المدعون الى السلطة والمناصب.

بلى؛ هو طالب بحقه في الخلافة، كما طالبت الصديقة الزهراء بحقها في فدك، بيد أن الامة لم تكن تفقه من هذه الحقوق شيئاً، علماً أن الحقّين لم يكن لتستوعبهما السياسة (الحكم) ولا الاقتصاد (المال) مطلقاً، بقدر ما كانت القضية حكماً شرعياً، والتزام بما أوصى به رسول الله افراد الأمة برعايته في أهل بيته.

وحتى اليوم والى يوم القيامة، الأمة في محنة هذه الأمانة الرسالية والسماوية، كيف تتعامل معها، حتى نعرف أننا حقّاً ممن يدّعي الاقتداء بأمير المؤمنين، ونكون من المؤمنين الحقيقيين الذين لا يحيدون عن منهجه، عليه السلام، ونحن نستذكر هذه الأيام المباركة والسعيدة، ذكرى يوم الغدير، ونعده العيد الأكبر، يجدر بنا أن نكون غديريين طوال أيام السنة، وما حيينا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى