اخر الأخبارثقافية

“محنة الجراد” التحالف بين البعثيين وداعش لإسقاط الموصل

الناقد حسن الموسوي..

يعد الروائي راسم الحديثي، واحداً من الروائيين الذين يميلون الى الرواية التأريخية، وفي روايته “محنة الجراد” الصادرة عن دار النخبة المصرية والمكونة من 153 صفحة ومن القطع المتوسط، يعيدنا إلى أيام احتلال عصابات داعش الاجرامية لمدينة الموصل، وما رافق ذلك من مآسٍ وويلات ألقت بظلالها ليس على العراق وحده، بل على جميع دول المنطقة.

في مطلع الرواية، يصف الروائي راسم الحديثي روايته بالقول: (ليس المكتوب هنا أشعاراً، بل هو نزيف خفي تقوله الكلمات في نهايات الألم والنكوص، نزيف من أجل حفنة رماد اسمها الوطن) ص 12.

وهنا يصف معاناته في كتابة هذه الرواية الموجعة والتي سطّر من خلالها مأساة الوطن الذي تحول إلى رماد، نتيجة الحرائق الكبيرة التي تعمد في اشعالها أعداء الوطن في كل مكان، لكن الكاتب كان متشائما أكثر من اللازم وفاته ان الوطن قد نهض من جديد ولم يتحول إلى رماد وأخمد كل الحرائق بتكاتف جميع أفراد الشعب رغم أنف الحاقدين.

تطرق الكاتب إلى موضوع في غاية الأهمية والخطورة ألا وهو التحالف بين البعثيين وبين داعش لإسقاط مدينة الموصل والسيطرة عليها، وقد ظهر ذلك جليا خلال الحوار بين شخص بعثي وآخر من داعش.

كان أعضاء حزب البعث الصدامي ممن يعملون بالخفاء، يعولون على العودة للحكم من جديد، لذلك تحالفوا مع عصابات قادمة من خارج الحدود لتحقيق هذا الحلم، لكن أفراد داعش أجهضوا حلمهم وذلك لأسباب عديدة، منها التفرد في الحكم.

ويصف الكاتب أحوال مدينة الموصل وما عانى منه الأهالي، نتيجة حكم القرون الوسطى، ذلك الحكم الذي حرص الدواعش على تطبيقه في مدينة الموصل، حيث يقول الكاتب: (أوقفت سيارة تكسي وركبت خلف السائق، قال لي: أخاف هؤلاء ان شاهدونا في الطريق، لو كان محرماً معك كان أسلم) ص 25.

ثم يواصل الكاتب سرده للأحداث التي عانى منها أهالي الموصل الذين خدعوا حينما مكنوا الدواعش من احتلال مدينتهم، واكتشفوا بعد فوات الأوان الوجه القبيح للدواعش، حيث يقول الكاتب: (مازلت أعدو.. لمة هناك، تجمع، أرى رجلا ممددا ومذبوحا من حنجرته، يندفع دمه كنافورة بلون أحمر قان طري، وهناك امرأة تجثو على ركبتيها موثقة اليدين والرجلين والحجارة تنهمر كمطر غزير بحنكة على قمة رأسها، محنية الرأس، صامتة ومستسلمة لقدرها) ص26.

ويتحدث الكاتب عن مسألة في غاية الأهمية وتتمثل في ثقافة القطيع والاقتداء بالقوي وطاعته على الرغم من كل الويلات التي حلت بالمدينة منذ اليوم الأول لمجيء عصابات داعش الاجرامية، يقول الكاتب: (لم أعد استغرب ما يحصل في هذه الأيام الرمادية، الكثير من البشر تتبع الحاكم القوي، حماية لمصالحها وخوفا منه، الناس هي التي تصنع القوي الجبار) ص 52.

ومن أخطر الصور التي طغت على المشهد في مدينة الموصل وهي حرب جديدة لم يألفها أهالي الموصل من قبل، وقد تمثلت بإزالة المباني التاريخية والجوامع الأثرية ومنها جامع النبي يونس التاريخي، وكأن هناك مخطط لمحو التاريخ والتأسيس لتاريخ جديد يكتبه أفراد تلك العصابات خدمة للذين مكنوهم من احتلال الموصل.

والسؤال الأهم الذي يتبادر الى الأذهان عن الجهة التي دعمت داعش وأعطتهم الأوامر لتدمير التاريخ الحقيقي للمدينة.

ان محو الثقافة والذاكرة المجتمعية والعادات والتقاليد من أسوأ الأعمال التي حرص أفراد عصابات داعش الاجرامية لتنفيذها على أرض الواقع.

ان الرسالة المهمة التي مررها الكاتب من خلال هذه الرواية تتمثل بأن الليل مهما طال، فالفجر حتما سيطل علينا ليزيح العتمة من سموات حياتنا وهي رواية مهمة توثق بأدق التفاصيل ما حدث لمدينة الموصل في فترة زمنية عصيبة، لكن ببسالة الجيش العراقي الباسل والحشد الشعبي وبالتعاون مع الأهالي الشرفاء الذين لم ينضموا الى عصابات داعش تم النصر، وأعيدت المدينة إلى أحضان الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى