لوحات وديع خالد.. العيش داخل المخيمات الفلسطينية

يعد الفن التشكيلي واحداً من أساليب المقاومة الأدبية، وفي هذا الإطار، يقسم وديع خالد معرضه “من غرفة بيتنا في المخيم” إلى عالمين فنيين متوازيين، واحد عبارة عن لوحات كبيرة الحجم ملونة، وآخر عبارة عن حبر على كانسون، أو ورق. وفيما الأول هو جوهر المعرض بوصفه يعبر عن عنوانه من خلال رسم الحياة داخل غرفة البيت في المخيم، فإن الثاني يرسم الإيقاع الزمني الذي تنتقل فيه مشاعرنا ونحن نجيل نظرنا بين اللوحات، حيث تركز لوحات الحبر على عالم ما بعد السابع من أكتوبر من خلال التوثيق اليومي لمشاعر الفنان خلال ملحمة الصمود والتضحية والعطاء. وعبر عالمين متوازيين ندخل في كوة ضيقة إلى عالم رحب، يبدو مضطربًا حين نلج فيه، ثم يكشف لنا عن تناغم وتآلف مذهلين، فنحن نقف على عتبات الذاكرة، ونحن نغوص في الماضي، فيما يظل خيط رفيع من الحاضر يرمى بنا مثل طابة طفل في قاع بئر، ويسحبنا إليه مرة أخرى.
حتى في توظيفه لتقنيات الفن فإن كثيرًا من لوحات وديع عبارة عن مربعات لونية تبدو مثل قطع الليغو الذي قام الفنان بدقة بلصقها متجاورة، حيث في بعض اللوحات قد تقف مشدودًا تحاول أن تتخيل كيف له أن يقوم بلصق مئات القطع بهذه الدقة لتكوين لوحة مفترضة ومتخيلة في رأسه. عندها تقع في الشرك والفخ الذي نصبه لك، فأنت غير مطالب بأن تؤول اللوحة، ولا أن تفسر عالمها، فطالما نظرت إليها وجدت نفسك جزءًا من هذا العالم كثيف الحضور عميق الجوانب تنزلق فيه من دون تردّد.
لوحة وديع خالد تأخذك إلى داخلها، ولا تترك لك فرصة حملها إلى عالمك ومحاولة مقاربتها بتفاصيلك، أو فرض سياق غريب عليها، بل هي من يسحبك إلى داخلها، إنها لوحة “تحتوي” المشاهد والمتلقي، وتجعلهما قسرًا جزءًا من عالمها المغلق المخفي الموارب، وربما السجين داخل الخزان، أو داخل الغرفة، أو حتى داخل العالم الأرحب والأوسع الذي تسعى لتجسيده.



