الكِبر .. أدنى الإلحاد

الكبر هو عبارة عن حالة نفسية تجعل الإنسان يترفّع ويتعالى على الآخرين، وتصرُّفات الإنسان هي الّتي تدلّ على وجود مثل هذه الحالة عنده, والكبر هو من آثار العجب وتوابعه، والفرق بينهما أنّ العجب هو الإعجاب بالذّات، بينما الكِبر هو التعالي والتعاظم على الناس. فعندما يتوهّم الإنسان أنّه يمتلك أيّة صفة من صفات الكمال ستنتابه حالة هي مزيج من السرور والتمنُّن وغيرها، وهذه هي صفة العجب، ثمّ يرى أنّ الآخرين لا يملكون هذه الصفة الّتي يتوهّمها في نفسه، فينتابه شعور آخر هو تصوّر التفوّق والتقدّم، وهذا يؤدّي به إلى التعاظم والترفّع، وهذه هي صفة الكِبر, وإنّ للكبر درجات وهي ستّة:
• الكبر بسبب الإيمان والعقائد الحقّة، ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة.
• الكبر بسبب التوجهات الفاضلة والصفات الحميدة، ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرذيلة والتوجهات القبيحة.
• الكبر بسبب العبادات والأعمال الصالحة، ويقابله الكبر بسبب المعاصي والأعمال السيّئة.
فالتكبُّر على الله تعالى، وهذه الدرجة أقبح الدرجات وأشدّها هلكة، وكما يمكن أن تجدها بين أهل الكفر والجحود ومدّعي الألوهية، كذلك يمكن أن تراها بين أهل الدِّين. وهذا التكبُّر هو منتهى الجهل، جهل بالممكن الفقير والمحتاج، وجهل بمقام واجب الوجود الغني والمعطي,فالتكبُّر على الأنبياء والرسل والأولياء صلوات الله عليهم. وكثيراً ما كان يحصل في زمن الأنبياء، وفي صدر الإسلام وقع الكثير من التكبُّر على أولياء الله، وفي هذا الزمان أيضاً نجد نماذج منه في بعض المحسوبين على الإسلام,ومن التكبُّر رفض مجالسة الفقراء، والتقدُّم في المجالس والمحافل وفي المشي والسلوك. ومن التكبُّر شائع بين الناس وشامل لجميع الطبقات، من أشراف وأعيان وعلماء ومحدّثين وأغنياء بل حتّى الفقراء والمعوزين، إلّا من حفظ الله وسلّمه من ذلك.
هناك عدّة عوامل ومبرّرات على المستوى العلمي أو العملي أو غيرهما, قد تدفع الإنسان إلى التكبُّر، ولكنّها كلّها ترجع إلى شيء واحد يمكن اعتباره السبب الحقيقي للتكبُّر،هو توهُّم الإنسان الكمال في نفسه ممّا يبعث على العجب الممزوج بحبّ الذات، فيحجب كمال الآخرين ويراهم أدنى منه، ويترفّع عليهم قلبياً أو ظاهرياً.
إنّ بين الفلاسفة أناساً يرون أنّهم بما يملكون من براهين ومن علم يمتازون عن غيرهم، فينظرون إلى سائر الناس بعين التحقير ولا يقيمون وزناً لعلم الآخرين، ويرون عباد الله جميعاً ناقصي علم وإيمان فيتكبّرون عليهم في الباطن ويعاملونهم في الظاهر بكبرياء وغرور، مع أنّ العلم بفقر المخلوق، ومقام الخالق ربّ السماوات والأرض يقتضي غير ذلك، والحكيم لا يمكنه إلّا أن يكون متواضعاً بعد معرفته بالمبدأ والمعاد,فهذا لقمان الحكيم يقول في جملة وصاياه لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾,وإنّ الكبر منتشر بين علماء سائر العلوم الأخرى، في الطبّ والرياضيات والطبيعة، وكذلك أصحاب الصناعات المهمّة، فكلٌّ منهم يحسب أنّ ما عنده وحده هو العلم وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبّر على الناس بباطنه وظاهره.وأن الّذي يملك الحسب والنسب أيضا يتكبّر على من لا يملكهما، وقد يتكبّر صاحب الجمال على فاقده أو إذا كان كثير الأتباع والأنصار أو له تلامذة كثيرون وأمثال ذلك، فإنّه يتعالى ويتكبّر على الّذي ليس له مثله,بل كما ذكرنا قد يحصل أحياناً أن يتكبّر صاحب الأخلاق الفاسدة والأعمال القبيحة على غيره ظنّاً منه أنّ هذه القبائح هي كمالات,ويقول أحد المحقّقين: “أدنى درجة الكبر في العالِم هي أن يُدير وجهه عن الناس كأنّه يُعرض عنهم، وفي العابد هي أن يعبس في وجوه الناس ويقطّب جبينه كأنّه يتجنّبهم أو أنّه غاضب عليهم، غافلاً عن أنّ الورع ليس في تقطيب الجبين ولا في عبوس ملامح الوجه ولا في البعد عن الناس والإعراض عنهم، ولا في ليّ الجِيد وطأطأة الرأس ولملمة الأذيال، بل الورع يكون في القلب”، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ها هنا التقوى” وأشار إلى صدره.إنّ المتكبّر قد يمتنع أحياناً لسبب ما من إظهار التكبُّر علانية، فلا يُظهر أيّ أثر لذلك التكبُّر إلّا أنّ هذه الشجرة الخبيثة تمدّ جذورها في قلبه، ولا بدّ من ظهور آثاره في الأوقات الحرجة عندما يخرج عن طوره الطبيعي بسبب الانفعال والغضب وغيره فإذا به تظهر عليه علامات التكبُّر، فيباهي الآخرين بما عنده من علم أو عمل أو أيّ شيء آخر ويفاخرهم به.




