اخر الأخباررياضية

محمد القيسي الغائب الأكبر عن الشعر الفلسطيني

صبحي الحديدي..

خلال الأشهر والأسابيع الدامية من حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني، في قطاع غزّة خصوصاً كما في سائر فلسطين التاريخية؛ كان طبيعياً أن يُستذكر كبار الشعر الفلسطيني الحديث والمعاصر، فتستوي قصائد أمثال إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وهارون هاشم رشيد، مع فدوى طوقان وتوفيق زياد وراشد حسين وسميح القاسم ومحمود درويش.

أنّ الغائب الأكبر قد يكون محمد القيسي (1944-2003)، الذي حمل في المنفى أعباءً مماثلة لما انشغل به شعراء الداخل في الأرض المحتلة؛ من حيث تطوير شعريات فلسطينية ذات خصوصية جمالية منفردة ضمن المشهد الشعري العربي، في جانب أوّل؛ ثمّ الانتماء، من جانب ثانٍ، إلى حركة الحداثة والمساهمة في صناعتها على حدّ سواء. وكان القيسي هو الأغزر نتاجاً، ويوم رحيله سجلت لائحة إصداره نحو 40 عملاً بين شعر وسرد ومقالات وسيرة وحوارات وأشعار للأطفال، فضلاً عن «الأعمال الشعرية» التي صدرت سنة 1999 في ثلاثة مجلدات.

صفة كبرى مركزية في شعر القيسي، سبق أن توقفت عندها هذه السطور، هي أنه كان شاعراً غنائياً جوّالاً بالمعنى الذي يشمل الكثير من سمات الشخصية التروبادورية، ليس لأنه كتب من مخيم الجلزون ودمشق وبيروت وعمّان والكويت والأغوار ورام الله ولندن وباريس… فحسب؛ بل كذلك، وجوهرياً ربما، لأنه حوّل قصيدته إلى ما يشبه ناياً فلسطينياً لا حدود للأسى والحزن والغربة في متتالياته النغمية. كما كان، ولعلّه يظلّ اليوم أيضاً، المسجِّل الأكثر التقاطاً للتراجيديا والرثاء في الموروث الفولكلوري الفلسطيني، والشاعر الأكثر ارتباطاً بشخصية الأمّ (حمدة، التي خلّدها في عمل كامل وأكثر من قصيدة)، لا بوصفها الحامل الرمزي للوطن والهوية والأرض فقط، بل لأنها أيضاً منبع الغناء ومصدر الأسطورة وخزين الشعر.

وهذا شاعر دائب التجريب، وتلك نزعة مفاجئة وربما نادرة أيضاً لدى شخصية شعرية غنائية عالية الانهماك في الشجن والمكابدة، ومن غير المألوف أن تعكف طويلاً على اختبار أشكال كتابية شتى، ومزاوجة القصيدة مع أنواع أدبية أخرى، وإدخال مقاطع شعرية قصيرة على هيأة حاشية أو هامش، والنصّ المدوّر؛ فضلاً عن عمود الخليل، وقصيدة النثر (مجموعته (اشتعالات عبد الله وأيّامه 1981)، رغم أنه ظلّ وفياً لخيار التفعيلة على امتداد 19 مجموعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى