“كراساتي الباريسية”.. الاغتراب في أوروبا برواية عراقية

في رواية “كراساتي الباريسية” وبرغم ما تمثله باريس من ألق حضاري ورمز فكري وفني وأدبي وثقافي حداثي، فإنها تخفي وجوهاً قد تكون صادمة للكثيرين، هذه الوجوه القديمة والجديدة من المدينة الأشهر والأكثر تأثيراً عالمياً ترصدها الكاتبة العراقية لطفية الدليمي في يومياتها، التي تُكَاشِفُ فيها قراءها بحقائق قد تكون صادمة للكثير من الحالمين بمدينة الأنوار.
تمتد مفاعيل الاغتراب إلى مفاصل حياة الفرد ورؤيته للمفاهيم الوجودية، والمبادئ المعلن عنها داخل الكيانات المجتمعية، ومن المحتمل أن يكون المغترب موسوماً بصدمات من المكان الذي هجره ومنكوباً بخذلان البيئة التي تخيلها بديلاً لجغرافية طاردة، وهذا ما يصعب من تجربة الغربة، ويزيدها قسوة.
المعلوم أن رحلة الاغتراب تبدأ قبل مغادرة بيئة المنشأ، ولولا الشعور بأن خيوط الانتماء إلى التربة الأولى أصبحت واهية لما تحولت متاهة المنافي مهوى للمغامرة، وعلى الأغلب يكون قرار الهجرة نتيجة لسوء الأحوال السياسية أو هروباً من الحروب الضارية، لا تغير الحرب شكل الأمكنة ولا تنسف شبكة الروابط الإنسانية فحسب بل تبعثر الأوراق وتقيد المرء نهبا لأوهام ناجمة من تغول الخوف والكراهية.
أما والحال هذه فإن الحل الجزئي يتمثل في البحث عن مداخل أخرى لمواجهة الواقع المتخم بالنفس المعادي للحياة. والأسوأ من ذلك هو تحلل العقلية المدنية وتصاعد النبرات المتشنجة في زمن الحرب، وهذا ما انحدر إليه العراق في عهد الاحتلال الأمريكي، إذ تداعت مستندات التضامن الاجتماعي والمشترك الثقافي والفكري، كما أن القيم تلوثت جراء الخلط بالأوراق، إذ حلت التبعية مكان روحية المبادرة.
على هامش التقلبات البنيوية في العراق، نشأت سرديات محملة بهموم النسخة التراجيدية للواقع. فكان للنصوص الروائية سبق في رصد ومتابعة الظواهر التي طفت على السطح. واستلت ثيماتها من صميم المشاهد الحية والوقائع الكاشفة للوجه العبثي من الخطابات الملفعة بالزيف. وبالتالي سجلت المدونة السردية ملامح المرحلة الكابوسية والانهيار الشامل. كما لاحت أطياف الأزمنة الغابرة في عدد من الأعمال الروائية مقابل ما تراكم من الأزمات المحتقنة في الحاضر. وبالطبع أن هذا الحراك السردي والانهمام بالكتابة، يصح النظر إليهما على اعتبار أنهما محاولة ضد اللا شكل الذي يعمّق الشعور باليأس.



