منكم والیكم

احمد عادل صاکي
قرر النائب شاطر الدایخ ان یعد كلمة یلقیها علی مسامع زملائه النواب الذین یستجمّون تحت قبة البارلمان، ولا سیما لمغازلة شیخها المبجل الذی یرصد كل ما یدور هناك بعینین محملقتین كالنسر من علی القمة الشماء لیطالب بها بعضا من حقوق موكلیه من دیار “نومستان”، ولا سیما وان الفترة النیابیة الحالیة قد اوشكت علی الانتهاء، فمن العقل والعقل سید الكون والانسان محور الكون ان یقوم بابراز بعض من مواهبه الخطابیة الحماسیة كی یكون لنفسه رصیدا یؤهله لخوض الحملة الانتخابیة المقبلة التی سینافسه فیها من هو اشرس منه من القوائم التی سوف تقدم من الصالحین والطالحین.
فبعد ان طرق ابواب المدونات والمواقع الادبیة المتخصصة المناسباتیة التی تكتب بشهد اللغة واستشارة الكثیر من اصحاب الرای الحصیف السمین منه والنحیف والتبضع من الحوانیت وتجار الكلام خرج شاطرالدایخ بخطاب رنان منقطع النظیریفوق ما قاله ابن ساعدة الایادي وهتلر النازي بخطاباته الحماسیة ابان الحرب العالمیة الثانیة!
وها هو الیوم موعد القاء كلمته الیتیمة طیلة المدة الانتخابیة. ركنت السیارة السوداء امام بوابة البیت، فبعد انتظار طال عدة دقائق خرج نائبنا شاطر الدایخ من بوابة بیته الواسع محاطاً برجلین ضخمین مفتولي العضلات من البودي جارد كانهما من بقایا قوم العمالقة، یراقب كل منهما كل شيء من حوله بعینین متفحصتین.
انطلقت السیارة لتقل سیادة النائب الی مبنی البرلمان الذي كان من المقرر ان یلقي الاخیر كلمته امام جموع غفیرة من النواب والوزراء.
انتابه شيء من الاستغراب. لم یرَ وجودا من المراجعین عند بوابة البرلمان كما كان یری سابقا ولا الصحفیین المتطفلین ولا نائبا واحدا. الا حراس البرلمان الذین لا تنام لهم عین ولا ترمش، اللهم الا بعض الاحیان لكن سرعان ما تلاشی هذا الاستغراب عندما وقع تحت مغناطیس ساحة البرلمان الرئیسة، فعبرها وهو ناكس الرأس تواضعا وخشوعا للنعمة التی انعمها الله علیه. كیف لا وهو ابن “نومستان” البار الذی ورث هذه الخصلة الحمیدة من آبائه البررة الذین یشكل التواضع سمتهم البارزة، فانهم لطالما اشتهروا به عند غیرهم.
ظل منكس الرأس حتی بلغ المنصة، فاعتلاها، فاخرج النص الخطابي من صدر بدلته المخططة بخطوط عریضة لا تتقاطع مع بعضها البعض، ثم اخذ یتنحنح وبفتل شاربیه!
ثم تكلم عن معاناة الفقراء وتفشي ظاهرة البطالة، بقوة وحماس
تكلم عن التهمیش والاقصاء المتعمد و.. بقوة وحماس تكلم عن مصادرة المیاه وتلوث البیئة وتكاثر الاوبئة.. بقوة وحماس
تكلم عن خطورة العواصف الرملیة والترابیة.. بقوة وحماس
تكلم عن جفاف الانهار وهجرة القرویین نتیجة تردي الاوضاع الزراعیة.. بقوة وحماس تكلم وتكلم وتكلم.. كل هذا والخشوع یلزمه ان لا یرفع رأسه مع ان السكوت المریب المهیمن علی قاعة البرلمان واروقته التي كانت تعج عادة عند هكذا خطابات تدغدغ فضوله. مع ذلك لم یرفع راسه “خشوعا وادبا”، ولانه ابن اصول ینحدر من سلالة عرفت بالادب و الوقار!
عندما انتهی الخطاب شعر بارتیاح كبیر لانه ازاح ما كان یثقل كاهله، فقد ادی واجبا وطنیا قومیا مهما.
انتفخ شرفا وراح یخرج من مبنی البرلمان خروج القیاصرة الفاتحین والبودي جاردان یحفانه یمینا ویسارا.حمد الله وشكره علی هذه النعمة التی توفرت له ثم امر السائق ان یفتح المذیاع لیتزود بجدید الاخبار السیاسیة منها والاقتصادیة، فالسیاسة والاقتصاد توأمان لا یفارق بعضهما البعض منذ نزول ابوينا آدم وحواء علی هذه الیابسة!
اضف الی ذلك انه رجل سیاسي محنك ،علیه متابعة التطورات السیاسیة، لكن النشرة كانت قد انتهت ولم یبق منها الا الجویة وحالات الطقس المتقلبة.
المذیاع: وفي الختام الیكم حالات الطقس لیوم غد السبت الـ.. ستكون السماء غائمة كلیا ترافقها هطول الامطار الرعدیة هنا وهناك!




