ثقافية

«فحم وطباشير» بين عتمة المعنى وصبح القصد

الال

د. سعد ياسين يوسف

إذا سلمنا بأن مجموعة “فحم وطباشير” لفلاح الشابندر الصادرة عن دار العراب ـ دمشق عام 2011 تندرج ضمن المجاميع التي تصنف نصوصها ضمن النصوص الرمزية، وأحيانا المغرقة في الرمزية، فإن ذلك يدعونا بكل تأكيد الى طرح جديد لعمليّة القراءة ووظيفة القارئ في التعامل مع هذه النصوص..
ولما كان الرمز من أعقد صور التخيّل، إذ يتداخل فيه الثقافيّ بالنفسيّ والاجتماعي بالذاتيّ، فأن الكتابة في هذا المجال تعكس رؤية الشاعر وتجاربه التي تعمقها ثقافته وروافده الفكرية..
وإذا عدنا الى تقسيم “إيريك فروم” بحسب كتابه اللغة المنسيّة، الصادرعن المركز الثقافي العربيّ، الدار البيضاء، 1996، نجد انه قسم الرموز الى الرمز “الاصطلاحيّ” والرمز “العرضيّ” والرمز “الجامع”.. غير أن ما يهمنا هنا في تجربة الكتابة الشعرية هو الرمز العرضي وهو الرمز المتعلق بتجربة الذات وهو غير قابل للفهم فَهماً مباشراً من الآخرين، لأنّ الرمز العرضي وثيق الصلة بتجربة الانسان وارتباطه بحدث معيّن لكنه يخرج من دلالته الأولى ويتلبّس بدلالات جديدة يضفيها عليه ذلك الحدث، فيتمثله الشاعر برؤية جديدة عبر نصوصه التي تتطلب من المتلقي تفكيك شفرات النص للوصول الى المعنى قبل تشظيه.
ولذلك فان فحم وطباشير فلاح الشابندر هو جملة تجارب ذاتية واحداث مضمرة انزاحت عن معانيها الأصلية لتتلبس بمعانٍ جديدة يتقن الشابندر تشكيلها على وفق رؤيته كونه كائناً يكتب لما هو ابعد من رؤية الحاضر وتمثلاتهِ اليومية المستهلكة حتى لو أنطلق منها عبر معاناته اليومية.
إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةٍ لا تنتمي إلى السلاسةِ الشعرية الظاهرة وانما الى تمثل المعنى الكامنِ فيها منطلقاً في كل كتاباتهِ من ثيماتٍ أساسية مهيمنة تترددُ أصداؤها في جنبات النصوص التي يقدمُها للقارئ، والقارئ النخبوي بشكلٍ خاصن مدركا أنّ هذا الغموض ليس لعبا باللغة والكلمات..
(اللعبة
رمية نرد.. وهبتها الحماسة
وإذا ما تعثرت تعذرت بأسبابنا
وهكذا تأخذنا بأسبابنا.
خسارات لاتقبل التورية) ص 6
إنَّ مفاتيحَ شفراتِ نصوص ِفلاح شحيحةٌ ظاهريا ويكادُ يخفيها تحتَ طرف ِ سجادةِ النص أحيانا أو بينَ شُجيراتِ المعنى..
(….
الحبل النازل ـ نصفه
الدلو الصاعد نصفه
ونصفه..
صليب يبكي هلاله الذي
في السماء) ص 35
ولعلَّ من أهمِ مهيمناتِ فلاح الشابندر في نصوصه ِ التي طالعتُها عبر “فحم وطباشير” هي:
ـ الإحساس بالغربة:
نكادُ نجد أنَّ هاجس الغربة وحيرة الانسان في هذا الكون من جراء ِما يلاقيه من انسحاقٍ قسريٍ ومكابدات واحساس بالنفي بسبب فناءِ لحظاتِ الصفاءِ بعد أن استلبَتْنا مخاوفُ عديدة أفقدتنا براءةَ الحياة والاحساسَ بجمالياتِها.. في أغلبِ نصوصِ الشابندر وبشكلٍ ملفت ٍلانستطيع أنْ نتجاوزَهُ أو المرور على النص ِدونَ أنْ يُمسكَ بنا دالا ًعلى جُزء ٍ من فكرة ِذلكَ النص.
(… من منفاه المعلق على فضاء النهار
يدخل خارجه
ويخرج داخله.. عصفور الضوء
حتى عسعست زهرة الشمس واختلط الظل
صار
يقفز
يجاهد
يقفز
يجاهد الغرق عميقا
في
ماء
العتمة) ص 146
ـ مهيمنة الحرب
هذه المهيمنةُ عند فلاح الشابندر تتجسدُ بالحربِ الداخليةِ التي يعانيها مع ذاته الشفافة التي ترفضُ كلَّ ما يقتلُ زهورَ الجمالِ ويشوهُ وجهَ الحياة..
ولذا فإنَّ هذا الصراع ينعكسُ على الصراعِ الحاصلِ بتعالقِ المفرداتِ التي يستخدمُها في قصائده.. ظاهرياً قد لانجد علاقة بين المفردةِ التي يرصفُها لنا فلاح الشابندر على سطرِ القصيدة ِ مع المفردة ِالمجاورة.. ولكن لو تعمقنا أكثر بمدلولاتِ كل ٍ منهما لاهتدينا إلى حجمِ الجنونِ وفداحةِ الألم ِالذي يريدُ أن يأخذَنا اليه فلاح بتجاوراتِ جمله الشعرية ومفرداته هذه وهو يطلقها أسئلة تبحث عن إجابات.
( رأسي في بئر الأرق
والأشياء تتعثر..
تتبعثر
تتسلق الأسباب والأسرار
أين؟
متى؟
كيف؟
عائد بلا أثر لايمس التراب من خطاي) ص 134
ـ مهيمنة الأنا..
حينما يشرع فلاح الشابندر في عملية الكتابة فأنه يسعى جاهدا في محاولة الإجابة عن كينونته كأنسان وهذا ما أراد أنْ يصرخ به في أغلب قصائده التي ضمها ديوانه الأول فحم وطباشير..باحثا عن معناه..
هذا السؤال الأزلي الذي أرق الفلاسفة والكتاب والفنانين كما أرهق من قبلهم كلكامش..
(على ضفة الظل
جميل أن ننسى
والأجمل أنْ لانعرف
ما القادم الآتي
ذلك ظلنا
فما معناك؟) ص 9
في قصيدته مسرح المرايا يورد الشابندر كلمة (من أنت) 32 مرة برصفها بشكل سطري ليختمها..
(من.. أنا.. من أنت
أرهقني السؤال
….) ص 70
وفي قصيدته فحم وطباشير (2) يتداخل لديه الأنا والأنت ثانية لكنه هذه المرة توحد بوطن صادرعمره:
(أكتبك.. تهمس
أكتب.. من أنا كتبتك.. وطن
كتبتك.. تصادرني) ص 85
ولكن فلاح بعد أن تتشظى القصيدة لديه وهو يبحث عن سره يلوذ بمهيمنة اخرى من المهيمنات التي يتميز بها الا وهي..
ـ مهيمنة المرأة:
المرأة عند فلاح الشابندر بوصفها الحديقة والملاذ والمكمل له في رحلة البحث عن معناه هي أنكيدو التي يستعين بها في الإجابة على سؤال معناه قد تتمرد عليه أحيانا وقد يتمرد جزعا منها لكنها تبقى رفيق رحلة البحث التي انطلق بها منذ أنْ أمسك القلم ليكتب أول كلمة في سطر الشعر.
(الماءأي توتر في جوف الصخرة الصلبة
كون يرسم لنفسه عشبة حره
انتحب.. تكنْ
من هنا الممر..
امرأة من ندى تتقاطر على الصمت ندى) ص 30
ـ مهيمنة الانتظار:
انتظار لما هو آتٍ على حد سواء فناءً كان أم منقذا هو يريد عبر مخاضاته الشعرية أنْ يصلَ الى رصيفٍ يرسو عليه وشجرةٍ يستظلُّ بظلّها ونهايةٍ تُسكت ذلك الصراخ الذي يترددُ صداهُ وهو ينتظرُ خلاصه في ظلِ اشتباكِ الرؤى وتعددِ المسالك للوصولِ الى اللا شيء.. الى متاهاتٍ تعقدُ المشهدَ اليومي لحياتِنا..
(لا للدخول..
عبر زجاج المقهى
لا للخروج..
ولا يدري.. صلاته
انطفأ اللون
ونقض الضوء الأوفى عهده
لا للدخول.. لا للخروج
ساعة الحائط
قلق صفري..) ص 97
ـ مهيمنة القلق:
ففلاح الشابندر قلق دائم قلق في مواجهة الشيء ونقيضه، قلق في مواجهة المرأة بوصفها النّدّ، قلق في مواجهة الواقع، قلق في مواجهة الأسئلة الكبرى للحياة.. وهذا القلق الأزلي هو ما يصنع القصيدة ومن ثم الشاعر لذا فانه يكتب أحيانا هروبا من هذا القلق الذي يفترسه افتراساً.. لذلك فلا غرابة أن ْنجدَ كلماتِ الشابندر تحملُ هذه السمة من التفكك وعدم التجاور الظاهري وابتعاد الدال عن المدلول..
لكنه في قصيدته فحم وطباشير (2) يتعمد أن يضع أمام القارئ مفاتيح النص ليدخله في عالمه الشعري القلق:
(عذبني الفحم
أجهد أنْ أرحله
يباغتني رغماً عني
يعاودني.. فصلاً في الآخر
وطباشيري.. سر من ذاك الفحم
نفس كتبت.. كتبت.. تتعذب بذات السر بين فحم
……… وطباشير) ص 81
فالشاعر الذي يرفض نقيض (الطباشير)، وهو الشر، الظلام، الخيانة، الموت، الأمر بالسوء، السواد، ما يلبث أنْ يعلن أنَّ طباشيره (نوره) سر من ذاك الفحم موآخياً بين أضداده بشكل مقصود لأنه يدرك أنَّ الانسان يحمل في ثناياه هذين المتضادين. وما الصراع الذي يعتمل النفس البشرية إلا نتاج لهذا التصادم بين الفحم والطباشير.
أما فيما يخص لغة القصيدة عند فلاح نجد أنَّ لغة الكتابة لديه لغة عكرة لا تستميل القارئ برومانسية عذبة، بل تطرق باب التفكير لديه بعنف وتهزه للوصول به الى ماهية الفكرة او الاقتراب قليلا من شواطئ ادراكها أو حتى تكوين فكرة مجاورة للفكرة التي سعى إليها أو لم يسعَ الشاعر الشابندر إلى رسمها بقصدية الكتابة..وهو في رسم وتكوين صوره الشعرية يسعى إلى اعادة الحياة لمهملات الأشياء وهوامشها ليمنحها رؤية فلسفية عبر صياغتها وتأطيرها بأطر فكرية جديدة نابضة، أحيانا يغيب عن ذروة الوعي أثناء كتابة القصيدة فتكتب القصيدة نفسها بعيدا عن سلطة وعية وهو بذلك مجتهد في منح اللامعنى معنى جديدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى